رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رئيس التحرير
ياسر هاشم
ads
اخر الأخبار

عربي وعالمي

كلمة نبيل فهمي في المؤتمر الصحفي الأول للأمين العام لجامعة الدول العربية

الإثنين 13/يوليو/2026 - 04:04 م
صدى العرب
طباعة
سارة خاطر


السيدات والسادة ممثلي وسائل الإعلام العربية والدولية،

أهلًا بكم في جامعة الدول العربية،

 

واسمحوا لي، قبل أن أبدأ، أن أتقدّم باسم جامعة الدول العربية، وبالأصالة عن نفسي، بأصدق التعازي إلى دولة قطر – أميرًا وحكومةً وشعبًا – في وفاة صاحب السموّ الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحد بُناة قطر الحديثة، ورجلٍ ترك بصمةً في مسيرة العمل العربيّ المشترك. نسأل الله أن يتغمّدهبواسع رحمته.

الحضور الكريم،

في البداية، يُسعدني أن ألتقيكم اليومَ في أوّل مؤتمرٍ صحفيٍّ لي أمينًا عامًا لهذه الجامعة، وأتحدّث إليكم من موقع أعرق منظّمةٍ إقليميّةٍ في العالم، سبقت الأممَ المتّحدةَ نفسَها في النشأة، لأفتح عهدًا من التواصل المباشر بيننا، يواكب حجم التحديات الكبيرة والفرص الضخمة المتاحة، وأعرض فيه رؤيتي لتحدّيات المرحلة، ووضع العالم العربي، ودور الجامعة ومسؤوليّاتها. 

وبهذه المناسبة، أتعهّد أمامكم بتواصلٍ منتظمٍ مع الإعلام، يقوم على الوضوح والشفافية؛ فحقُّ الرأي العام العربيّ في المعرفة، ركيزةٌ لثقته في مؤسّساته.

يمرّ العالم بلحظةٍ فاصلة، قواعدُ القانون الدوليّ تتعرّض لاختباراتٍ قاسية، ومبادئُ السيادة وحمايةُ المدنيّين تتراجع أمام أعيُننا، والنظام الدوليّ يُعاد ترتيبه. وفي محيطنا العربيّ، تتّسع بؤرُ التوتّر، وتتضاعف كُلفة النزاعات انسانياً وأمنياً واقتصادياً. لكنّ هناك أيضًا فرصًا وآفاقًا واسعة يُمكن استغلالهالكل مُجتهد وُمجد.

أمام كلّ ذلك لا يمكن أن نقف متفرّجين، وهناك حاجة مُلحة وضرورية لعملٍ عربيٍّ يقظٍ ومُبادر، يحمي المصالح العربيّة، ولا يترك أزمات وخيراتالمنطقة لغير أبنائها.

هذه هي المنهجية التي ستحكم أداء جامعة الدول العربية؛ ومعالجةُ قضايانا تبدأ من إرادةٍ عربيّة. وما نتوافق عليه بإرادتنا، هو وحده أساس الاستدامة. والمبادرةُ والقراءةُ المبكرة للأزمات في صميم عملنا؛ لأنّ التحرّك قبل تفاقمها أقلُّ كلفةً، وأجدى من إدارة تداعياتها. ويبقى المواطنُ العربيّ غايةَ كلّ جهدٍ ومعياره.

المؤسّساتُ تُبنى بالفعل، وتُقاس بما تُنجز،الأخوة والأخوات، ومنذ يومي الأوّل -أي في 1/7/2026، وجّهتُ رسائل إلى قادة الدول العربيّة ووزراء خارجيّتها، تأكيدًا لنهجٍ قوامُه التشاور، ودليلاً أن الجامعة تبدأ الخطوة، والدول الأعضاء شريكةٌ في إتمامها، والعكس صحيح أيضًا. فنجاحُنا رهنُ تجاوبٍ وتعاون جماعيٍّ.

ومنهجي واضح يرتكز على أن الأمنُ القوميّ العربيّ، كما أراه، بناءٌ واحدٌ على ثلاث ركائز: ركيزةٌ سياسيّة تصون السيادة وتُعلي الحقّ؛ وركيزةٌ أمنيّة تحمي الدول من التهديد والاعتداء؛ وركيزةٌ اقتصاديّة تجعل من التكامل العربيّ درعًا للاستقرار.

ولأنّ صون الأمن القوميّ العربيّ لا يكون بالكلمات، فقد آن أن نمتلك أدواتِ الفعل. ومن أوائل ما أطرحه في هذا النهج، ثلاثُ آليّات: آليّةٌ للإنذار المبكّر؛ عينٌ عربيّةٌ ترصد الأزمات قبل وقوعها. وخليّةٌ لإدارة الأزمات؛ تتحرّك ساعةَ وقوعها. ومجلسٌ للحكماء من قامات العرب؛ يسند القرار بخبرةٍ وحكمة. هذه أمثلة غير حصرية لأدواتٌ ضمن نهجٍ استباقي، عنوانُه أن يكون لأمننا القوميّ أدواتُ تأثيرٍ حقيقيّة.

ولتحقيق ذلك، أطرح خمس مساراتٍ لعمل الجامعة في المرحلة المقبلة.

المسار الأوّل: دبلوماسيّةٌ عربيّةٌ أكثر استباقيّة.

نقرأ المتغيّرات مبكرًا، ونبادر قبل أن تتحوّل إلى أزمات. ونطمح إلى تدشين مركزٍ للتميّز يكون منصّةً عربيّةً للخبرة والتحليل الاستراتيجيّ. وسنطوّر أدوات الجامعة في الدبلوماسيّة الوقائيّة، والإنذار المبكر، والوساطة؛ وسأستعين بمبعوثين خاصّين للقضايا ذات الأولويّة. وذلك لإيماني الراسخ بأنّ خيرَ الدبلوماسيّة ما سبق الأزمة.

المسار الثاني: ترسيخُ ثقافة المتابعة والتنفيذ.

فالقرار يكتسب قيمته حين يُنفَّذ. وسنبنيمنظومةَ متابعةٍ أوضحَ في المسؤوليّات، وأدقَّ فيقياس التقدّم؛ تقرّب قرارات مجلس الجامعة منأهدافها.

المسار الثالث: إعادةُ هيكلة الأمانة العامّة وتحديثُ أدواتها.

بدأتُ مراجعةً شاملة لهيكل الأمانة: اختصاصٌ أوضح؛ وإنجازٌ أسرع؛ ومسؤوليّةٌ تقابلها محاسبة. والعاملون في الأمانة مسؤوليّتي المباشرة. وسأضع نظامًا يقيّم الأداء بإنصاف، ويكافئ المجدّ، ويحاسب المقصّر. ولا تكتمل هذه النهضة بالأدوات وحدها؛ إذ تتّسع المهامّ، ولا بدّ أن تقابلها مواردُ كافية. وسأطرح هذا الملفّ بكلّ شفافيّة.

المسار الرابع: الاستثمارُ في الإنسان العربيّ والتكنولوجيا.

الشبابُ والمرأةُ في قلب رؤيتنا. وتوسيعُ حضور المرأة في مواقع القيادة ضرورةٌ لتعظيم طاقات مجتمعاتنا. وأصبحت التكنولوجيا والذكاءُ الاصطناعيّ من محدّدات القوّة. وينبغي أن نكون شعوبًا مبدعةً في صناعتها، لا مستهلكةً لها؛ فنبني قدراتنا الرقميّة، ونحمي أمننا السيبرانيّ. الأممُ التي تستثمر في عقول شبابها ونسائها هي وحدها التي تصنع مستقبلها.

المسار الخامس: وصلُ السياسة بالتنمية، وتوسيعُ دائرة المشاركة.

سيظلّ عملُ الجامعة متوازنًا بين القضايا السياسيّة الكبرى، والملفّات التي تمسّ حياة المواطن. وسنمدّ جسور التواصل مع المفكّرين والباحثين ورواد الأعمال؛ فالجامعةُ بيتٌ جامعٌ لفكر الأمّة وكفاءاتها، إلى جانب حكوماتها. وأمدّ يدي كذلك إلى أبناء أمّتنا في المهجر؛ فهم امتدادٌ لها، وجسرٌ يصل حضارتنا بالعالم.

ومن يظنّ الاقتصاد بمعزلٍ عن الأمن، فلينظر كيف أصبح الأمنُ الغذائيّ، وسلاسلُ الإمداد، وأسواقُ الطاقة، ساحاتِ صراعٍ اليوم. ولهذا سنبني على ما تنهض به الجامعة من عملٍ اقتصاديٍّ واجتماعيٍّ واسع، ونطوّره ليكون له مردودٌ مباشرٌ على الدول الأعضاء، وأثرٌ يلمسه المواطن العربيّ في معيشته وفرص أبنائه.

بهذه المنهجيّة نواجه واقعنا، فالعالم العربيّ اليوم أمام تحديّاتٍ تمس أمنه ومُستقبله، ولا سبيل إلى تجاوزها إلا بعملٍ عربيًّ جادًّ ومنهجٍ واضح. ومن هنا أبدأ بأبرز هذه التحديّات، وفي القلب منها قضية الأمة، فلسطين.

إنّ استمرار الاحتلال، وحرمانَ الشعب الفلسطينيّ من حقّه في تقرير مصيره، وما تشهده غزّةُ من مأساةٍ إنسانيّةٍ ودمارٍ وسقوطٍ متواصلٍ للمدنيّين، يستوجب موقفًا عربيًّا ثابتًا، وتحرّكًا يرتقي إلى حجم المسؤوليّة. وفي الضفّة الغربيّة، يتواصل التصعيد بالاقتحامات، والاستيطان، وإجراءاتٍ تقوّض فرص التسوية. أمّا القدس، فتبقى في صدارة اهتمامنا؛ في مواجهة كلّ محاولةٍ لتغيير وضعها، أو طمس هويّتها العربيّة.

إنّ ما ترتكبه إسرائيل في غزّة والضفة الغربية،جريمةُ إبادةٍ جماعيّةٍ مستمرّة. ما تزال تُرتكَب اليومَعلى مرأى العالم: قتلُ المدنيّين؛ واستهدافُالمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء؛ وفرضُ الحصاروالتجويع؛ ودفعُ السكّان إلى النزوح القسريّ. ولن يقف موقفُ الجامعة عند حدود البيانات. سنعمل علىدعم الملاحقة القانونيّة لمرتكبي هذه الجرائم، وتفعيلأدوات الضغط السياسيّ والاقتصاديّ، وتحريك موقفٍعربيٍّ جماعيٍّ لا يكتفي بالشجب.

الإبادةُ لا تسقط بالتقادم، ومن يرتكبها اليومَ، سيقف غدًا أمام العدالة.

ولا يقف العدوان الإسرائيليّ عند غزّة والضفة الغربية. ففي لبنان، تتواصل الاعتداءاتُ وجرائمُ الحرب في بيروت والجنوب اللبناني، انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانيّة والقانون الدوليّ. ويستمرّ احتلالُ الجولان العربيّ السوريّ، في تجاهلٍ تامٍّ لقرارات الشرعيّة الدوليّة. إنّه نهجٌ واحدٌ يقوم على فرض الأمر الواقع بالقوّة، ولن نمنحه شرعيّةً أبدًا.

ويبقى احترامُ سيادة الدول العربيّة خطًّا أحمرَ، لا نقبل المساسَ به. ومن أخطر ما يهدّده اليوم، الاعتداءاتُ الإيرانيّةُ التي تستهدف أمنَ وسيادةَ عددٍ من الدول العربيّة؛ وفي مقدّمتها دولةُ الإمارات العربيّة المتّحدة، ومملكةُ البحرين، والمملكةُ العربيّةُ السعوديّة، ودولةُ قطر، ودولةُ الكويت، وسلطنةُ عُمان، والمملكةُ الأردنيّةُ الهاشميّة، وجمهوريّةُ العراق.وأكرّرها: ما يمسّ أمنَ أيِّ دولةٍ عربيّة، يمسّ أمنَ العالم العربيّ أجمع.

وتواجه منطقتُنا أزماتٍ ممتدّة. في السودان، تتواصل الجهود لوقف الحرب واستعادة مؤسّسات الدولة. وفي سوريا، تبقى استعادةُ الاستقرار ووحدةُ الدولة أولويّةً لا غنى عنها. وفي اليمن، نتمسّك بتسويةٍ سياسيّة تحفظ وحدة البلاد وأمنَ ممرّاتهاوفي ليبيا، سندعم الدولة سعيًا لاستكمال بناء دولتها الديمقراطية. والصومال، الذي عانى ويلات الحروب والإرهاب، سنقف بجانبه لاستعادة أمنه والحفاظ على وحدة أراضيه. وموقفنا واحد: حلولٌ سياسيّة ودبلوماسية؛ ووقفٌ للاقتتال؛ وتوسيعٌ للمساعدات الإنسانيّة؛ وصونٌ لوحدة الدول؛ وعودةٌ آمنةٌ كريمةٌ للنازحين واللاجئين.

وتبقى الدولةُ الوطنيّة، بمؤسّساتها ووحدتها وسيادتها، خطَّ الدفاع الأوّل عن استقرار محيطنا العربيّ.

ولا يقتصر الأمن القوميّ على حدود السلاح. فالبحر الأحمر والخليج العربيّ، بممرّاتهما الحيويّة، في صميم أمننا؛ وأمنُ الطاقة وسلاسلُ الإمداد موصولٌ باستقرار المنطقة والعالم. وستظلّ الجامعة سندًا لكلّ جهدٍ عربيٍّ يصون حرّية الملاحة وسيادة الدول. ويمتدّ ذلك إلى الأمن المائيّ والغذائيّ، وإلى تكاملٍ اقتصاديٍّ عربيٍّ يحوّل التعاون من مواقف عامّة إلى مشروعاتٍ ملموسة في الصناعة والزراعة والطاقة، بما يخلق فرص العمل.

وبقدر ما تثقل التحدّيات، يتّسع الأمل. نحن أمّةٌ تملك ما لا يملكه كثيرون: شبابٌ يشكّل ثلثَي مجتمعاتنا؛ وموقعٌ يتوسّط العالم؛ وثرواتٌ فوق الأرض وتحتها؛ وحضارةٌ علّمت الدنيا. التحدّيات أمامنا كبيرة، ومقوّماتُ التغلّب عليها أكبر.

ولأكون صريحًا، نملك من القوّة ما لم نُحسن بعدُ توحيده، ومن القرارات ما ينتظر أن يتحوّل إلى فعل. وهذا ليس عيبًا نجلد به أنفسنا؛ بل طاقةٌ ننتظر أن نُطلقها، وفرصٌ جبّارةٌ بين أيدينا إن أردناها. مصيرٌ واحد. وأمنٌ مشترك. ومصالحُ متشابكة. ولغةٌ وتاريخٌ وهويّة. ما يجمع العربَ أكثرُ بكثيرٍ ممّا يفرّقهم.فلننطلق ممّا نتّفق عليه.

وختاماً، أودّ أن أؤكّد أنّ جامعة الدول العربيّة تظلّ الإطار الجامع، والبيت الذي تلتقي فيه إرادةُ الدول العربيّة، حين تدرك أنّ مصالحها الوطنيّة تزداد قوّةً بعملٍ عربيٍّ أكثر تماسكًا. إنّ التحديات التي تواجهنا أكبرُ من أن تعالجها دولةٌ منفردة، وأخطرُ من أن نتركها للتفاعلات الدوليّة وحدها.

أدرك أنّ الطريق طويل، والتحديات كبيرة. لكنّي على يقينٍ أنّ هذه الأمّة تملك من الموارد، والكفاءات، والشباب، والإرادة، ما يصنع لها مستقبلًا أكثر أمنًا وازدهارًا؛ إذا وحّدت جهدها، وأحسنت استثمار ما تملك. وأمدّ يدي إلى كلّ دولةٍ عضو، وإلى كلّ مواطن يؤمن برسالة هذه الجامعة؛ لنعمل معًا بروح الشراكة والمسؤوليّة.

إرسل لصديق

تصويت

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟
ads
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر

ads