تحقيقات
الثأر في أسيوط.. نار تحت الرماد تهدد السلم المجتمعي وتعرقل مسيرة التنمية
الأربعاء 24/يونيو/2026 - 10:46 م
طباعة
sada-elarab.com/810829
- المعايرة والمرأة.. أدوار خفية تطيل عمر الخصومات الثأرية
- بعد حادث أبنوب الأزهر يدخل على خط المواجهة وقوافل المصالحات تتحرك لاحتواء الأزمة
- نحو 450 خصومة ثأرية ما زالت قائمة بأسيوط رغم نجاح المصالحات في إنهاء مئات النزاعات
- خبراء: لا تنمية ولا استثمار في بيئة يسودها الخوف والسلاح
لم يعد الثأر في صعيد مصر مجرد خلاف بين عائلتين أو رد فعل على جريمة وقعت في الماضي، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية معقدة تتداخل فيها الاعتبارات القبلية والثقافية والاقتصادية، لتشكل واحدة من أكبر التحديات التي تواجه جهود التنمية والاستقرار داخل العديد من القرى.
وفي محافظة أسيوط، التي تعد من أكثر محافظات الصعيد تأثرًا بهذه الظاهرة، ما زالت مئات الخصومات الثأرية قائمة رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة والأزهر الشريف وبيت العائلة المصرية ولجان المصالحات الشعبية لإنهائها.
ومع الحادث المؤسف الذي شهده مركز أبنوب مؤخرًا، عاد ملف الثأر إلى الواجهة من جديد، ليطرح تساؤلات مهمة حول أسباب استمرار هذه الظاهرة، ومدى تأثيرها على الأمن والاستقرار والتنمية، ودور المؤسسات المختلفة في مواجهتها.
وتفتح جريدة "السوق العربية" وموقع "صدى العرب " هذا الملف الشائك في محاولة للبحث في جذور الأزمة، وكشف آثارها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، واستعراض جهود الدولة ومؤسسات المجتمع في مواجهة هذا الموروث الذي ما زال يحصد الأرواح ويعطل التنمية.
خريطة الثأر في أسيوط..
تشير تقديرات قيادات المصالحات بمحافظة أسيوط إلى وجود نحو 450 خصومة ثأرية قائمة حتى الآن، في حين نجحت جهود المصالحات خلال السنوات الماضية في إنهاء ما يقرب من 350 خصومة.
وتتركز غالبية النزاعات في عدد من المراكز ذات الطبيعة القبلية والعائلية، من بينها البداري وساحل سليم وأبنوب والفتح وبعض قرى منفلوط، حيث لا تزال بعض الأعراف الاجتماعية القديمة تلعب دورًا في إدارة الخلافات.
ويؤكد العاملون في ملف المصالحات أن بعض الخصومات تمتد لعشرات السنين، ويتوارثها الأبناء والأحفاد، حتى يصبح أطراف النزاع الحاليون لا يعرفون أحيانًا تفاصيل الواقعة الأولى التي أشعلت الخلاف.
الأزهر يتحرك بعد حادث أبنوب.
في أعقاب الحادث الأخير الذي شهده مركز أبنوب، وجه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، اللجنة العليا للمصالحات بالتوجه إلى المحافظة لاحتواء الموقف ومنع اتساع دائرة العنف.
وأكد الدكتور عباس شومان، رئيس اللجنة العليا للمصالحات بالأزهر الشريف، أن الأزهر تحرك انطلاقًا من مسؤوليته الوطنية والدينية في حماية السلم المجتمعي وحقن الدماء، موضحًا أن وفد اللجنة عقد لقاءات مكثفة مع العائلات والقيادات الشعبية والتنفيذية من أجل احتواء الأزمة.
وقال إن جهود اليوم الأول أسفرت عن إعلان أربع عائلات العفو والتسامح إكرامًا للأزهر الشريف، من بينها أسرة مسيحية، وهو ما يعكس حجم الثقة التي يحظى بها الأزهر لدى مختلف فئات المجتمع.
وأضاف أن بقية العائلات رحبت بجهود اللجنة، وأن العمل ما زال مستمرًا للوصول إلى تسوية مجتمعية شاملة تضمن عدم تجدد النزاع.
وشدد شومان على أن الثأر لم يعد يمثل خطرًا أمنيًا فقط، بل أصبح عائقًا حقيقيًا أمام التنمية والاستثمار والاستقرار الاجتماعي، مؤكدًا أن القضاء عليه يتطلب تضافر جهود الدولة ومؤسساتها الدينية والثقافية والتعليمية والإعلامية.
المحافظ: الاستقرار أساس التنمية
من جانبه، يؤكد اللواء محمد علوان محافظ أسيوط أن المحافظة تولي ملف الخصومات الثأرية اهتمامًا بالغًا، باعتباره أحد الملفات المؤثرة بشكل مباشر على الأمن والتنمية.
وأوضح المحافظ أن قوافل "إصلاح ذات البين" التي ينظمها الأزهر الشريف تمثل نموذجًا مهمًا لنشر ثقافة التسامح والعفو بين المواطنين.
وأضاف أن تحقيق التنمية الشاملة لا يمكن أن يتم دون استقرار مجتمعي، مشيرًا إلى أن المحافظة تدعم كل المبادرات الهادفة إلى إنهاء النزاعات وترسيخ ثقافة القانون والحوار.
وأكد أن مواجهة الثأر لا تعتمد فقط على الحلول الأمنية، بل تتطلب مشاركة حقيقية من المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
بيت العائلة: أرقام مقلقة.
ومن جانبه، يكشف الشيخ سيد عبد العزيز، أمين بيت العائلة المصرية بأسيوط، أن الفترة من عام 2014 حتى 2018 شهدت إنهاء ما يقرب من 350 خصومة ثأرية بالمحافظة.
ويؤكد أن رجال المصالحات كانوا يعملون بصورة تطوعية كاملة، وأن نجاحهم اعتمد على ثقة المجتمع وقبول الأطراف المتنازعة.
وأشار إلى أن المحافظة لا تزال تضم نحو 450 خصومة قائمة، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه المجتمع.
ويضيف أن الخصومات الثأرية تشبه إلى حد كبير معدلات المواليد والوفيات؛ فكلما انتهت خصومة ظهرت أخرى نتيجة عوامل اجتماعية وثقافية متراكمة.
المعايرة والمرأة.. أدوار خفية.
تكشف الدراسات الاجتماعية أن استمرار بعض الخصومات لا يرتبط فقط بالحادث الأصلي، بل بعوامل أخرى تسهم في تجدد النزاع وإطالة عمره.
ويشير الشيخ سيد عبد العزيز إلى أن دراسة أجراها بيت العائلة المصرية بأسيوط أظهرت وجود تأثير للمرأة في نسبة كبيرة من النزاعات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وتوضح الباحثة الاجتماعية فاطمة خليل أن بعض صور "المعايرة" واستدعاء الخلافات القديمة قد تؤدي إلى تجدد مشاعر الانتقام داخل الأسرة، خصوصًا في البيئات التي تنظر إلى الثأر باعتباره مسألة مرتبطة بالكرامة أو الهيبة.
لكنها تؤكد في المقابل أن المرأة يمكن أن تكون أحد أهم مفاتيح الحل، نظرًا لدورها المؤثر في تربية الأبناء وتوجيه أفراد الأسرة نحو التسامح أو التصعيد.
وترى أن إشراك النساء في برامج التوعية المجتمعية يمثل خطوة مهمة في مواجهة الظاهرة على المدى الطويل.
لماذا يفشل الصلح أحيانًا؟
رغم النجاحات الكبيرة التي تحققت في ملف المصالحات، إلا أن بعض الجهود تتعثر أو تحتاج إلى سنوات طويلة قبل الوصول إلى اتفاق نهائي.
ويؤكد العاملون في لجان المصالحات أن من أبرز أسباب تعثر الصلح الإصرار على الانتقام، والخوف من المعايرة الاجتماعية، ووجود محرضين يسعون إلى استمرار النزاع، إضافة إلى ضعف الوعي القانوني لدى بعض الأطراف.
ويشير الدكتور عباس شومان إلى أن نجاح أي مصالحة يرتبط أولًا بوجود رغبة حقيقية لدى الأطراف المتنازعة في إغلاق صفحة الماضي والبدء من جديد.
الثأر والتنمية.. علاقة خطيرة.
لم تعد آثار الثأر تقتصر على الضحايا وأسرهم، بل امتدت لتؤثر بصورة مباشرة على فرص التنمية والاستثمار.
ويؤكد اللواء عصام العمدة عضو مجلس النواب أن المستثمر يبحث دائمًا عن بيئة مستقرة وآمنة، وأن استمرار النزاعات يؤثر سلبًا على جذب الاستثمارات وتوفير فرص العمل.
ويتفق معه النائب علي سيد معوض، الذي يرى أن التدخل المبكر لاحتواء الخلافات يمثل خط الدفاع الأول لمنع تحولها إلى نزاعات طويلة الأمد تهدد استقرار المجتمع.
ومن الناحية الاقتصادية، يؤكد الدكتور سعيد سليمان أستاذ الاقتصاد بجامعة أسيوط أن الخصومات الثأرية تفرض تكلفة اقتصادية ضخمة تشمل تعطيل الإنتاج وتراجع الاستثمارات وزيادة الأعباء الأمنية والاجتماعية.
ويضيف أن المناطق التي تشهد استقرارًا اجتماعيًا تكون أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال وتحقيق معدلات نمو أفضل.
مصنع متوقف بسبب الثأر..
ومن النماذج التي تكشف التأثير المباشر للثأر على التنمية، ما أشار إليه رجل الأعمال ممدوح عبد الغفار من مركز البداري، حيث أكد أن مصنع "مرتكزات الرمان" تعرض للتوقف لسنوات طويلة نتيجة تداعيات الخصومات الثأرية بالمنطقة.
وأوضح أن توقف المصنع حرم عشرات الشباب من فرص عمل مستقرة، وأفقد المنطقة عوائد اقتصادية كان يمكن أن تسهم في تحسين مستوى المعيشة.
وأكد أن إنهاء الخصومات لم يعد مطلبًا اجتماعيًا فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية وتنموية عاجلة.
الثأر من منظور اجتماعي..
ويرى الدكتور عصام البدري أستاذ علم النفس والاجتماع بجامعة أسيوط أن الثأر ليس مجرد جريمة أو رد فعل فردي، بل هو ثقافة اجتماعية متوارثة تنتقل بين الأجيال.
ويؤكد أن القضاء على الظاهرة يتطلب تغييرًا في منظومة القيم السائدة داخل المجتمع، من خلال التعليم والإعلام والخطاب الديني.
ويضيف أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر استعدادًا لقبول فكرة الاحتكام إلى القانون مقارنة بالأجيال السابقة، وهو ما يمثل فرصة مهمة للتغيير.
القانون وحده لا يكفي..
ومن جانبه، يؤكد المحامي مصطفى عاطف أن القانون المصري يتعامل بحزم مع جرائم القتل والاعتداء، إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في البيئة الاجتماعية التي تسمح باستمرار دائرة الانتقام.
ويشير إلى أن بعض القضايا تواجه صعوبات بسبب الخوف من الشهادة أو الضغوط الاجتماعية، وهو ما يجعل جهود المصالحات المجتمعية مكملة لدور القانون وليست بديلة عنه.
شهادات من قلب الأزمة..
ويصف المواطن مصطفى شكوكو حالة القلق التي يعيشها بعض الأهالي قائلًا: "نعيش في خوف دائم، وأي خلاف بسيط قد يتحول إلى أزمة كبيرة تؤثر على الجميع".
بينما يرى أحمد فتحي، وهو مدرس، أن الثأر لا يدمر أطراف النزاع فقط، بل ينعكس على المجتمع كله ويهدد مستقبل الأجيال الجديدة.
وتقول عزة عيسى من مركز البداري: "نحلم بأن يأتي يوم نعيش فيه بلا خوف أو خصومات، وأن يكبر أبناؤنا في بيئة آمنة ومستقرة".
أما الحاج إسماعيل شاكر فيؤكد أن المصالحة هي الطريق الوحيد لإنهاء دائرة الدم، بينما يرى خالد زناتي أن وعي الشباب بالقانون أصبح أكبر من السابق، وهو ما يمنح الأمل في مستقبل أفضل.
ويضيف الشيخ حسنى الفولى عضو اللجنة العليا للمصالحات أن كل خصومة جديدة لا تعني فقط سقوط ضحايا أو فقدان أرواح، بل قد تؤدي إلى تعطيل مشروع اقتصادي، أو حرمان شاب من فرصة عمل، أو نشر الخوف بين سكان قرية بأكملها ؛ ويبقى الرهان الحقيقي على نشر ثقافة التسامح، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز دور التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية، حتى تتحول قرى الصعيد من ساحات للخصومات إلى بيئات آمنة قادرة على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية وصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة.










