طباعة
sada-elarab.com/823735
بعد الاعتداءات التي نفذتها جماعة الحوثي الإرهابية واستهدفت الأعيان المدنية في المملكة العربية السعودية الشقيقة، وما أُعلن عن سقوط ضحايا وخسائر بشرية ومادية، لم يعد ممكناً التعامل مع هذا التهديد باعتباره أزمة عابرة يمكن احتواؤها بالبيانات والإدانات وحدها. فالواقع يفرض على دول الخليج إعادة النظر في أدوات حماية أمنها، ومواجهة هذا الخطر الذي يهدد استقرار المنطقة ومستقبلها.
لقد كان استعادة الدولة اليمنية وإنهاء سيطرة الحوثيين هدفاً للتحالف والحكومة اليمنية الشرعية، في مواجهة جماعة تستمد قدراتها من الدعم الإيراني الإرهابي، وتواصل تهديد أمن جيرانها. واليوم، تزداد الحاجة إلى موقف حاسم يضع حداً لتهديداتها، ويمنح اليمن فرصة استعادة دولته ومؤسساته.
إن استهداف المنشآت الحيوية والأعيان المدنية لا يهدد السعودية وحدها، بل يستهدف استقرار المنطقة واقتصاداتها ومشاريعها التنموية. فبينما تسعى دول الخليج إلى بناء مستقبل مزدهر لشعوبها، تصر هذه الجماعة على تكريس الصراع، وتهديد المدنيين والبنية التحتية، وتعريض المصالح الإقليمية والدولية للخطر.
ولنكن أكثر صراحة: إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يلوّح بمواجهة النظام الإيراني وتقويض قدراته، فإن التصدي لأذرعه الإقليمية يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية جادة لحماية المنطقة. فالحوثيون قادرون على فتح جبهة تستهدف الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد عبر البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات خطيرة في مضيق هرمز، بتداعياتها على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
إن الاكتفاء بالإدانة وتصنيف الجماعة إرهابية لا يكفي لردعها ما لم تقترن المواقف بإجراءات عملية. وقد أثبتت التجارب أن الاعتماد على الحلفاء الخارجيين وحدهم لا يضمن الحماية المطلوبة، وأن المظلة الأمنية الأمريكية لا يمكن أن تكون بديلاً عن امتلاك دول الخليج قدراتها الذاتية.
ومن هنا، تبرز ضرورة توحيد الموقف الخليجي وتعزيز التنسيق السياسي والأمني والعسكري، مع ممارسة ضغط دولي متواصل على طهران لوقف دعمها للجماعات المسلحة. كما بات من الضروري إنشاء منظومة خليجية متكاملة للدفاع الجوي والإنذار المبكر، تتيح تبادل المعلومات والتعامل مع التهديدات قبل وصولها إلى أهدافها، وتحمي المطارات والمنشآت النفطية ومحطات الطاقة والموانئ.
كذلك، ينبغي توظيف الشراكات الدولية لحماية خطوط الملاحة من مضيق هرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، وتوسيع التعاون الاستخباري، وتجفيف مصادر تمويل الجماعات المسلحة وشبكات تهريب السلاح. وفي اليمن، يجب دعم مؤسسات الدولة الشرعية وتعزيز قدرتها على استعادة المناطق الاستراتيجية، بما فيها مناطق النفط والغاز في مأرب والجوف، بالتوازي مع تعطيل شبكات التهريب والتمويل التي تغذي قدرات الحوثيين العسكرية.
إن أمن الخليج العربي لا يحتمل المزيد من الانتظار أو الاكتفاء بردود الفعل. المطلوب تحرك خليجي مشترك، يستند إلى قوة الإرادة وتكامل القدرات والاستعداد لمختلف السيناريوهات. فالنظام الإيراني الإرهابي الذي تتناقض مواقفه المعلنة مع سياساته على الأرض، وأذرعه التي تهدد أمن المنطقة، لا يمكن مواجهته بالتمنيات وحدها.
إن أمن الخليج العربي لا يجوز أن يبقى رهينة حسابات الآخرين وتقلبات سياساتهم. وكلما ازدادت دولنا تنسيقاً واعتماداً على قدراتها الذاتية، تراجعت قدرة خصومها على ابتزازها وتهديد استقرارها. فحماية أوطاننا ومكتسبات شعوبنا مسؤولية مشتركة، تتطلب الانتقال من سياسة رد الفعل إلى استراتيجية المبادرة، ومن الاعتماد على الآخرين إلى بناء قوة خليجية قادرة على حماية حاضرنا ومستقبلنا.
* قبطان - رئيس تحرير صحيفة «ديلي تربيون» الإنجليزية








