اخبار
مرصد الأزهر يستعرض دراسة فرنسية لإستكشاف طرق الإنزلاق في هاوية التطرف
طرح مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عددا من الأسئلة المتعلقة بالتطرف والإرهاب كان من بينها هل للإرهابِ شَفَرات لا يمكنُ محاربته إلّا بِفَكِّها؟ وهل يتخذُ الإرهابُ دروبًا مليئة بالعثرات؟ وهل تستعصي الأيديولوجية الإرهابية على الأفهام؟ أم أنَّه من السَّهل فك طلاسم فكره والقضاء عليه؟
كل هذا حاولَ مرصد الأزهر أن يستكشفه من خلالِ متابعته للدراسة التي تمَكَّنَ فيها باحثون من تحليل المسارات التي اتبعها عشرون إرهابيًا بشكلٍ مفصلٍ وذلك من أجل استكشاف طرق الانزلاق في هاوية التطرف كي يتم تفاديها.
وجدير بالذكر أنه وبالرغم من أنَّ قضية الإرهاب والتطرف أصبحت تحتل مكانًا جوهريًا في الأخبار ووسائل الإعلام إلا أن أغلب منابع تلك الظاهرة لاتزال مستعصية على الفهم. ونشيرُ كذلك إلى أنَّ كلَّ بحثٍ حول هذا الموضوع هو موضع ترحيب خاص.
وهذا هو الأمر بالنسبة للبحث (1) الذي قام به 4 باحثون : في إطار شراكة بين مركز الدراسات الاجتماعية في الحقوق والمؤسسات العقابية (Cesdip) و المعهد الوطني للدراسات العليا للأمن والعدل (Inhesj) حيث قاموا بتحليل مسلك 20 إرهابيًا. ويقول الباحث رومان سيز، أحد الذين قاموا بهذا العمل، أنَّنا أمامَ محاولةٍ جادة في هذا المجال نظرًا لاتباعها منهجية تقوم على إجراء مقابلات مع أشخاص أدينوا بارتكاب جرائم إرهاب.
وفي محاولة لاستيضاح الأمر، تحاول الدراسة الكشف عن مسارات المدانين : (مرحلة الطفولة، المسار الديني والسياسي، السوابق الجنائية، الأسباب التي تم الاستناد عليها لتنفيذ العمليات، العلاقة بالدين). وتخلص الدراسة إلى استنتاجات تعارض في بعض الأحيان ما نعرفه عن القضية.
وتبرز هذه الدراسة في المقام الأول ماضي الأشخاص الذين أجريت عليهم الدراسة والذين هم في كثير من الأحيان ليس لديهم تاريخ من العمل الإرهابي، والذين قاموا بتنفيذ عمليات إرهابية دون سابق أعمال متطرفة. والأمثلة على ذلك كثيرة. فناصر، وهو أحد الإرهابيين الذين أجريت عليهم الدِّراسةُ، كان يعاني من « مسلكٍ دراسيٍّ متواضعٍ في ظل طفولةٍ خاليةٍ من السوابق ». أما إيلي فيؤكد من ناحيته أنه كان يعيش "مسلكًا دراسيًّا تقليديًّا خاليًا من الفوضى"، تمامًا كباسل ذلك الطالب "المواظب والمجتهد"، بخلاف أسلافهم الذين غالبًا ما كانوا يعانون من الصعوبات أو العوز.
وتؤكد الدراسة أنَّ" النسبة الأكبر من الإرهابيين شهدوا مسارًا عائليًا مفككًا ومشوهًا بشكلٍ ملحوظٍ (...)، مما جعلهم يجدوا في الذهاب للجهاد شكلًا من الخلاص والانتماء إلى أمة حامية و متحدة". فميشيل على سبيل المثال كان لديه زوج أم مدمن كحوليات فيما عانى مدان آخر وعائلته من الترحل من منزل إلى منزل حتى عمر 11 عامًا. أما بالنسبة للآخرين، فغالبًا ما يأتي التطرف " كرغبة في القطيعة مع العائلة التي يراها المتطرف سلبية (...)، وخاضعة بشكلٍ مبالغ فيه للقانون الدولة ". كانت تلك هي حالة عبدال الذي اتهم والديه بأنهم لا يفكرون سوى في " العمل "، وأنهم هجروا الدين وامتثلوا لأوامر المجتمع.
وتؤكد الدراسة أنه على هذا الأساس يحدث التعارف عن طريق الإنترنت وهو ما يلعب دورًا حاسمًا في عملية التطرف. فمن خلال الإنترنت تعرَّفَ إبرا على مُنَظِّري الجهاد وقرأ كتاباتهم. ومن هنا أيضًا تعلم ناصر شعائر الصلاة وشاهد فيديوهات عن معاناة الشعب السوري وهو ما أقنعه بالذهاب لمساندتهم.
ويري الباحثون أنه من الخطأ الإيمان بالفكرة المنتشرة حول " جهاد الغرف"، حيث يقوم "الشباب العاطل بالتطرف عبر الشاشات". وهنا يقول الباحث رومان سيز،"ندرك أنَّ الكثير ذهبوا لساحات القتال وأنَّ تلك التجربة بالخارج كان لها أثر على تطرفهم لأنهم تأثروا بالتقائهم بشبكات جهادية دولية لها تجربة القتال على الأرض" فكل من غسان الذي ذهب إلى باكستان وابرا الذي سافر إلى اليمن أو إيلي الذي سافر إلى اليمن أيضًا وموريتانيا والمملكة العربية السعودية وسوريا اكتسبوا تلك الخبرة.
والأسباب التي يعرضها هؤلاء لتبرير تطرفهم تتعلق بشكل أساسي بالخطاب السياسي. ويُبدي الباحث رومان سيز دهشته قائلًا "كان ذلك جديرًا باهتمامنا : حيث كان من المهم أنَّ الخطاب السياسي هو الحاضر في أغلب الأحيان". والمثال الأكثر صراحة على ذلك كان فيما يخص حالة إيلي. حيث يرى الباحثون أنه طوَّرَ " مبررًا سياسيًا اتخذه محورًا لأسباب ذهابه لأداء فريضة الجهاد".
والنتيجة التي يمكن أن يخلص إليها الباحث رومان سيز "هو التوصل لشعور شخصي أن عملية التطرف أصبحت تنظيرية، الأمرُ الذي قد يُشَكِّلُ عنصرًا جديدًا يضاف إلى الجدال القائم حاليًا.
وبعد كلِّ هذا يؤكِّدُ المرصدُ أنَّ ما توصَّلَت إليه هذه الدِّراسةُ قد سبق له أن عَمِلَ عليها وأوردَ نتائجها في تقاريرٍ مختلفة بل وزاد على ذلك بأن طرح سُبُلَ المعالجة. وفي هذا دليلٌ قاطعٌ وبرهانٌ ساطعٌ أنَّهُ على الدربِ الصحيح.









