طباعة
sada-elarab.com/814657
أخيرًا، سقطت واحدة من أخطر المظاهر السلبية التى أفسدت منظومة التعليم فى مصر لسنوات طويلة.. ظاهرة «لجان أولاد الأكابر»، التى تحولت مع مرور السنوات إلى إمبراطورية للغش الجماعى، يتوارثها البعض عامًا بعد عام، حتى أصبح التفوق الحقيقى هو الاستثناء، بينما صار الغش هو القاعدة فى بعض اللجان سيئة السمعة.
ولم يكن أبناء المحافظات وحدهم يقصدون تلك اللجان، بل كانت الأسر المقتدرة بمحافظات الوجه البحرى تنقل أبناءها إليها فى العام الأخير من الثانوية العامة، بحثًا عن «المجموع المضمون»، حتى ولو كان ثمن ذلك قتل مبدأ تكافؤ الفرص وإهدار حق الطالب المجتهد.
ولم يكن غريبًا أن يسخر الفنان الكبير الراحل فؤاد المهندس من هذه الظاهرة فى برنامجه الشهير «كلمتين وبس»، عندما قال ساخرًا: «اللى عاوز ابنه يجيب مجموع من غير تعب… يوديه لجان أولاد الأكابر!». عبارة ساخرة، لكنها عكست واقعًا مؤلمًا.
بدأ المشهد قبل سنوات طويلة بإملاء الإجابات عبر مكبرات الصوت، ثم تطور إلى سماعات إلكترونية متناهية الصغر تُوضع داخل الأذن، حتى أصبحت بعض اللجان أشبه بغرف عمليات تديرها مافيا منظمة تحقق أرباحًا خيالية، حيث يدفع والد الطالب ٣٠ ألف جنيه ثمنًا للسماعة، وأجر المدرس الذى يملى على ابنه الإجابات الصحيحة.
وكانت النتيجة مأساوية.. قوائم طويلة من الحاصلين على ٩٦ ٪ و٩٧٪ و٩٩٪ تتصدر صفحات التواصل الاجتماعى، وتتحول إلى مادة للتفاخر والتباهى بين العائلات، بينما الحقيقة أن كثيرًا من هذه المجاميع لم تكن سوى «حمل كاذب»، لا يعكس مستوى علميًا حقيقيًا، وإنما كان ثمرة للغش الجماعى.
وبالطبع فاز أصحاب «ثانوية السماعات» بكليات القمة الطب والهندسة والصيدلة، لكنهم اصطدموا بالواقع الصعب؛ فالمناهج بهذه الكليات لا تعرف الواسطة، والامتحانات لا تعترف بالسماعات، لتبدأ رحلة الرسوب المتكرر.
إن ما حدث هذا العام ليس مجرد نجاح فى ضبط امتحانات الثانوية العامة، بل هو بداية لاستعادة الثقة فى العدالة التعليمية. فالطالب المجتهد لا يطلب امتيازًا، وإنما يطالب فقط بأن يحصل على حقه كاملًا، دون أن ينافسه من اشترى سماعة.
اختفاء قوائم التفاخر
بعد إعلان نتيجة الثانوية العامة الأربعاء الماضى، كان أول ما لفت انتباهى اختفاء ظاهرة قوائم تفاخر بعض العائلات بأبنائها من أصحاب المجاميع التى تتراوح بين ٩٥٪ و٩٩٪ والتى اعتادت نشرها كل عام على مواقع التواصل الاجتماعى.
كما لفت نظرى أيضًا انخفاض المجاميع بصورة واضحة، فى وقت بلغ فيه عدد المتقدمين للامتحانات ٨٢٥ ألفًا و٨٦٧ طالبًا، نجح منهم ٦٢٠ ألفًا و٣١٤ طالبًا بنسبة ٧٥٪ بينما بلغ عدد الراسبين ٢٠٥ آلاف و٥٥٢ طالبًا بنسبة ٢٥٪.
وكان السؤال الطبيعى: ماذا حدث؟
وكيف سقطت إمبراطورية الغش؟
الإجابة جاءت من داخل وزارة التربية والتعليم، التى نفذت توجيهات الوزير محمد عبد اللطيف بتوجيه ضربات قوية لما يُعرف بـ «لجان أولاد الأكابر».. فقد جرى تطبيق نظام المجمعات الامتحانية، وتفتيت التكتلات داخل اللجان الشهيرة، وتشديد الرقابة على تحويلات الطلاب، مع استخدام العصا الإلكترونية وأجهزة التفتيش لمنع دخول الهواتف المحمولة، والساعات الذكية، والسماعات الدقيقة.
سألت صديقى المدرس بإحدى المدارس التى كانت تُعرف بلجان أولاد الأكابر: هل عاد الغش الجماعى هذا العام؟
ابتسم وقال: لا، الأمور تغيرت كثيرًا، والسيطرة وصلت إلى نحو ٧٠٪ ومافيا السماعات تلقت ضربة موجعة.
البحث عن فضيحة!
ورغم تراجع الغش الجماعى، فإن بعض المشاهد كشفت حجم الكارثة الفكرية التى خلّفتها سنوات الغش.
وقد أدهشنى مقطع فيديو متداول، أشبه بالنكتة، بثّه طالب قرر أن ينتقم من والده المدرس على الهواء مباشرة، لأن أباه لم يساعده على الغش.
الفيديو يظهر الطالب أثناء خروجه من الامتحان حيث سأله المراسل:
«إيه الأخبار؟ الامتحان كان عامل إيه؟».
رد الطالب، وقد بدت عليه علامات الغضب والحزن:
زى الزفت… ولا أى حاجة… معرفناش نغش!
ثم صب جام غضبه على والده، لأنه لم يوصِ زملاءه المراقبين بمساعدته على الغش، وانفعل قائلًا: وأنا هنا عاوز أبلغ عن أبويا… مستر «……» مدرس أول وكبير معلمين بمدرسة «…..»، لا جه معايا الامتحان، ولا حتى وصَّى زمايله المدرسين يغششونى.
ولم يكتفِ بذلك، بل واصل حديثه قائلًا: أبويا بيدِّى دروس خصوصية، وبيبيع الملزمة بـ ٢٠٠ جنيه، مع إنها بتتكلف ١٠٠ جنيه بس… وأبويا مش بيدِّى دروس غير للبنات، وأنا حاسس إنه متجوز على أمى، لأنه بيكسب فلوس كتير جدًا وإحنا مش شايفين منها حاجة، ومش عارفين بيوديها فين!
بصراحة الولد لم يترك شيئًا إلا وقاله! فقد أبلغ عن والده تعليميًا، وماليًا، وأسريًا، فقط لأنه لم يوصِ زملاءه لمساعدته على الغش.
وهنا تكمن الكارثة… فعندما يتحول الغش إلى حق مكتسب فى نظر بعض الطلاب، ويصبح منع الغش ظلمًا يستحق الشكوى والانتقام، فنحن لا نواجه أزمة تعليم فحسب، بل أزمة قيم وأخلاق.
قد يبدو المشهد طريفًا، لكنه فى الحقيقة جرس إنذار يدق بعنف.
زلزال الغش… وتوابعه
الغش لا تنتهى آثاره عند إعلان النتيجة، بل تمتد توابعه إلى الجامعات.
فالطلاب الذين التحقوا بكليات الطب والهندسة والصيدلة اعتمادًا على مجاميع مرتفعة حصلوا عليها بالغش، اصطدموا بواقع مختلف تمامًا؛ ففشل كثير منهم فشلًا ذريعًا، ورسبوا رسوبًا مدويًا، لأن الجامعة لا تعترف إلا بالعلم والاجتهاد.
فقد أعلنت جامعة سوهاج رسميًا نتيجة الفرقة الأولى بكلية الطب البشرى هذا العام، حيث بلغت نسبة النجاح ٥١٪ مقابل ٤٩٪ نسبة رسوب.
وأوضح الدكتور حسان النعمانى، رئيس الجامعة، أن ذلك يرجع إلى صعوبة المناهج وتطبيق معايير تقييم صارمة، لضمان كفاءة الخريجين.
وفى المقابل، رأى عدد من المتابعين على منصات التواصل الاجتماعى أن هذه النسبة الصادمة قد تعكس آثار ظاهرة الغش الجماعى وسماعات الغش، التى سمحت بوصول بعض الطلاب غير المؤهلين إلى كليات القمة.
واللافت أن هذا السيناريو تكرر فى السنوات السابقة بصورة أكثر حدة؛ إذ سجلت نسبة النجاح بكلية الطب بجامعة سوهاج ٣٩٪ عام ١٩٢٣ ثم تراجعت إلى نحو ٢٠٪ فقط عام ٢٠٢٤ بينما سجلت كلية طب الأسنان بجامعة سوهاج نسبة نجاح ٣٤٪ وكلية الطب بجامعة أسيوط ٤١٪ وكلية الطب بجامعة جنوب الوادى بقنا ٣٣٪ فالجامعات لا تعرف السماعات الإلكترونية، ولا تمنح درجات بالمجاملة.
جامعة نيو إيجيبت
الحمد لله تحقق الحلم وأشرقت شمس جامعة أخبار اليوم «نيو إيجيبت» بشراكة مع جامعة IMC النمساوية للعلوم التطبيقية لتعلن ميلاد صرح علمى جديد، يحمل اسم مؤسسة عريقة طالما صنعت العقول والأقلام، وها هى اليوم تشارك فى صناعة العلماء والقادة ورواد المستقبل.
هذا الإنجاز لم يأتِ من فراغ، ولم يكن وليد صدفة بل هو حصاد سنوات من التخطيط والمتابعة والسعى المتواصل، حتى خرج المشروع إلى النور، وأصبحت الجامعة حقيقة تستقبل طلابها مع بداية هذا العام الدراسى بكليات الصيدلة والعلاج الطبيعى والحاسبات والذكاء الاصطناعى والعلوم الإدارية..
ولأن لكل عمل رجاله فإن فى مقدمة من يستحقون التقدير والتحية المهندس عبد الصادق الشوربجي، رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، الذى آمن بالمشروع وبذل جهدًا استثنائيًا، وتابع كل خطوة بعزيمة لا تعرف التراجع، حتى تذللت العقبات، واكتملت الإجراءات، وأصبح الحلم حقيقة. لقد كان داعمًا لهذا المشروع الوطنى، مؤمنًا بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء مؤسسة تعليمية قوية تواكب المستقبل.
تحية تقدير للكاتب الصحفى إسلام عفيفى، رئيس مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، الذى لم يدخر وقتًا أو جهدًا، وجعل هذا المشروع على رأس أولوياته، متنقلًا بين الوزارات والهيئات ومكاتب كبار المسئولين، يتابع بنفسه كل التفاصيل، ويقاتل إداريًا حتى خرجت الجامعة إلى النور. لقد كان نموذجًا للمسئول الذى لا يكتفى بالأمنيات، بل يحولها إلى إنجازات.
ولا تكتمل صورة الوفاء إلا باستحضار أصحاب البدايات الراحل العظيم ياسر رزق صاحب الفكرة والذى لم تمهله الأقدار لتحقيقها والكاتب الصحفى أحمد جلال الذى بذل جهودًا كبيرة فى بدء اتخاذ الإجراءات.
هنيئًا لمؤسسة أخبار اليوم هذا الإنجاز التاريخى، ولعل أجمل ما يمكن أن يقال اليوم هو أن أخبار اليوم، التى صنعت الكلمة لعقود طويلة، تبدأ الآن مرحلة جديدة تصنع فيها الإنسان.





