رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رئيس التحرير
ياسر هاشم
ads
اخر الأخبار
السفير محمد سفيان براح

السفير محمد سفيان براح

زيارة البابا ليون الرابع عشر للجزائر.. حين يُصبح غصنُ الزيتون جسراً بين الأديان

السبت 11/أبريل/2026 - 04:47 م
طباعة
تستعد الجزائر، بين الثالث عشر والخامس عشر من أبريل 2026، لاستقبال حدث استثنائي يتمثل في زيارة البابا ليون الرابع عشر، في سابقة هي الأولى منذ استقلال البلاد عام 1962. غير أن أهمية هذه الزيارة لا تنحصر في بعدها البروتوكولي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها لحظة رمزية في سياق دولي مضطرب يتسم بتصاعد التوترات، وصدام الهويات، وتنامي خطابات الكراهية التي توظف الدين أداةً للإقصاء والصراع. في هذا المناخ، تبرز الزيارة كلحظة مفصلية تعيد الاعتبار لقيم التعايش والحوار بين الأديان والثقافات في عالم مأزوم فقد بوصلة قيمه الدينية والأخلاقية.

وقد حمل الإعلان عن الزيارة، منذ البداية، دلالات عميقة، خاصة مع اختيار الفاتيكان شعار "السلام عليكم" عنواناً لها، في إشارة واضحة إلى الانفتاح على العالم الإسلامي، وتأكيد إمكانية مدّ جسور الحوار بين الإسلام والمسيحية خارج منطق التوتر التاريخي، بما يؤسس لعلاقة تقوم على المشترك الإنساني..

غصن الزيتون: بداية المسار الرمزي

لم تكن هذه الزيارة وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة مسار تحضيري تراكمي تداخلت فيه الأبعاد الدبلوماسية والرمزية. وقد شكّل اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بالبابا في الفاتيكان في يوليو 2025، على هامش القمة الإيطالية-الجزائرية الخامسة، نقطة تحول أساسية، إذ كان أول رئيس عربي وإفريقي يلتقي بالبابا بعد انتخابه. 

غير أن رمزية اللقاء تجلت بشكل أعمق في الهدية التي قدمها الرئيس تبون للبابا خلال هذا اللقاء؛ غصن زيتون من شجرة يُنسب غرسها إلى القديس أوغسطينوس (354-430 م) في مسقط رأسه بطاغاست (سوق أهراس اليوم)، في رسالة تختزل امتداد الجذور المشتركة بين الضفتين، وتستحضر إرثاً فكرياً وروحياً مشتركاً يتجاوز القرون.
وتزداد الزيارة عمقاً بالنظر إلى شخصية البابا نفسه، روبرت فرانسيس بريفوست؛ فهو أول بابا أمريكي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، ومنتمٍ إلى الرهبنة الأوغسطينية. وقد سبق له زيارة الجزائر مرتين قبل توليه الكرسي البابوي. وقد أعلن صراحة، يوم انتخابه، أن أوغسطينوس يمثل مرجعيته الروحية، وهو ما يضفي على رحلته بعداً شخصياً يتجاوز الطابع الرسمي، ليجعلها أقرب إلى عودة إلى منابع فكرية صاغت وعيه، وأسهمت في تشكيل رؤيته للعالم.

برنامج زيارة محمّل بالرمزية

يعكس برنامج الزيارة بدوره بنية رمزية دقيقة؛ إذ تبدأ من الجزائر العاصمة بوضع إكليل من الزهور في "مقام الشهيد" تكريماً لضحايا حرب التحرير الوطنية، قبل أن يلتقي الرئيس عبد المجيد تبون في جامع الجزائر الكبير، في مشهد نادر يجمع بين البعدين الديني والسياسي في فضاء واحد.

ثم يترأس قداساً في كنيسة السيدة الإفريقية المطلة على البحر المتوسط في أعالي العاصمة، ليتوجه لاحقاً إلى كنيسة شهداء الجزائر التسعة عشر، حيث تُستحضر ذكرى ضحايا "العشرية السوداء"، ومن بينهم رهبان تيبحيرين الذين أصبحوا رمزاً للتضحية والتعايش في أحلك الظروف.

أما المحطة الثانية من الزيارة فتقوده إلى عنابة، هيبون الرومانية القديمة، حيث تقف بازيليك القديس أوغسطينوس شاهدة على عمق الحضور المسيحي في شمال إفريقيا منذ قرون. هناك، تتجسد الزيارة في بعدها الرمزي الأعمق: عودة إلى الجذور، حيث يُستحضر إرث أحد أبرز المفكرين الذين أسهموا في تشكيل الفكر الغربي انطلاقاً من أرض الجزائر.

دلالات الزيارة

تحمل هذه الزيارة دلالات متعددة؛ فهي أولاً رسالة روحية-حضارية تعيد صياغة العلاقة بين الإسلام والمسيحية على أساس التعايش لا الصراع، وهو مبدأ ليس وليد اليوم في الجزائر، إذ تشبعت أرضها عبر القرون بموجات حضارية متعاقبة من فينيقيين وإغريق ورومان وأمازيغ ومسيحيين، دون أن تمحو كل موجة ما سبقها، وصولاً إلى الفتوحات الإسلامية التي أعادت صياغة البنية الثقافية والدينية للمنطقة، ثم إلى الثورة التحريرية التي كرست قيم الحرية والكرامة والسيادة إلى جانب الوحدة في ظل الاختلاف.

كما تمثل اعترافاً دولياً بالدور الذي اضطلعت به الجزائر في ترسيخ ثقافة العيش المشترك، وهو ما تجسّد في مبادرة قادتها الدبلوماسية الجزائرية داخل أروقة الأمم المتحدة، بريادة الشيخ خالد بن تونس، وأفضت إلى اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في دورتها الثانية والسبعين، للقرار 72/130 الذي أقرّ يوم 16 مايو يوماً دولياً للعيش معاً في سلام. في الوقت ذاته، تحمل الزيارة بعداً سياسياً يعكس مكانة الجزائر لا كمورد طاقة فحسب، بل كفضاء تاريخي للتفاعل بين الحضارات وشريك موثوق في معادلات الاستقرار الإقليمي.

كما تفتح الزيارة، بشكل ضمني، ملف الذاكرة الاستعمارية من خلال الدعوة إلى الاعتراف بالجرائم التي ارتُكبت في حق الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية، خاصة في ظل مواقف صادرة من داخل الكنيسة، عبّر عنها الكاردينال جان بول فيسكو، رئيس أساقفة الجزائر، بدعوته إلى "كلمة حق واضحة" حول مئة وثلاثين سنة من الاستعمار الفرنسي. وما يمنح هذا المطلب ثقله الأخلاقي الاستثنائي، أنه لا يصدر من الجانب الجزائري وحده، بل من داخل المؤسسة الكنسية ذاتها.

كل هذه المعطيات تتداخل لتمنح هذه الزيارة أبعاداً ودلالات تتجاوز حدود الحدث الديني أو الدبلوماسي، لتتحول إلى لحظة تتقاطع فيها السياسة مع الرمز، والذاكرة مع الحاضر. فحين تختار الكنيسة الكاثوليكية بلداً مسلماً بحجم الجزائر ومكانتها وعمقها التاريخي، منصةً لتوجيه رسالة سلام، فإنها ترسل إشارة لا لبس فيها: إن ما يجمع البشرية أقوى مما يفرّقها، وإن الإيمان الحقيقي يُعبّر عن نفسه بالانفتاح على الآخر لا بالاستعلاء عليه.
ومن هذا المنطلق، تبدو الجزائر، بحكم موقعها كنقطة التقاء بين الفضاءين الإفريقي والمتوسطي، مجالاً يعكس هذا التقارب في المعنى ويعيد إنتاجه في رسالة مفادها أن التعدد ليس مصدر تهديد، بل إمكانية دائمة لبناء مشترك إنساني.


بقلم: محمد سفيان براح، سفير الجزائر لدى جمهورية مصر العربية ومندوبها الدائم لدى الجامعة العربية

إرسل لصديق

ads
ads

تصويت

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟
ads
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر