عربي وعالمي
محمد نور الدين أفاية: كتابات طوني ماريني تحولت إلى وثيقة تاريخية عن الفن المغربي
الإثنين 05/أكتوبر/2026 - 08:28 م
طباعة
sada-elarab.com/822030
في ندوة تكريمية احتفت بالكاتبة والناقدة طوني ماريني ضمن فعاليات منتدى أصيلة، قدم محمد نور الدين أفاية، المفكر وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، قراءة في تجربتها الفكرية والنقدية، متوقفاً عند كتاباتها في الفن المغربي وما تختزنه من أسئلة حول الحداثة، والهوية، والتراث، والمثاقفة، ودور الصورة في تشكيل المتخيل الجماعي.
واختار أفاية لورقته عنوان «كتابات طوني ماريني، راهنية رؤية تفكرية وجمالية»، مؤكداً أن كتاباتها في الفن تمثل نصاً كثيفاً ومفتوحاً على عدد كبير من الأسئلة التي تتصل بتاريخ الفن المغربي وتحولاته، وبالعلاقة المعقدة بين الإبداع والتراث والحداثة.
وأوضح أفاية أن مسار ماريني في المغرب انتقل من الصداقة إلى المشاركة، ثم إلى البحث وإنتاج الفكر، مشيراً إلى أن علاقتها بالمغرب لم تبدأ من موقع المراقب الخارجي، وإنما تشكلت تدريجياً عبر الاحتكاك بالفنانين والمثقفين والانخراط في الأسئلة التي كانت تطرح نفسها على الثقافة والفن المغربيين.
واعتبر أن تجربة ماريني ارتبطت منذ بدايتها بمحاولة فهم الفن المغربي من منظور يتجاوز التصورات الاستعمارية، ويفتح المجال أمام قراءة أكثر استقلالاً للتراث والإبداع، لافتاً إلى أنها اكتشفت في المغرب وطناً للفن، وسعت إلى فهم مظاهره التاريخية المتنوعة ومواكبة صيرورته وتحولاته.
وأشار أفاية إلى أن ماريني كانت واعية بالتوتر الذي تفرضه موقعيتها كامرأة غربية وأجنبية تكتب عن الثقافة المغربية، لكنها حاولت، بحسب قراءته، تجاوز هذا التوتر من خلال ما سمته «الانضباط الذاتي النقدي»، لتعيش جدلية العلاقة بين الذات والآخر، وبين الرؤية من الخارج والرغبة في الاندماج داخل فضاء ثقافي جديد.
وتوقف المفكر المغربي عند أحد أهم رهانات كتابات ماريني، والمتمثل في غياب رؤية جامعة ومتعددة الأبعاد لدراسة الفن المغربي، مؤكداً أنها سعت إلى توسيع أدوات النظر في الظاهرة الفنية من خلال الاستفادة من الفلسفة والأنثروبولوجيا والجماليات، بهدف الكشف عن العمق الثقافي والرمزي الذي تختزنه الأعمال الفنية وما تحمله من علامات مرتبطة بالمتخيل الجماعي.
كما استعاد أفاية موقف ماريني من الاعتقاد الشائع بأن التصوير والرسم لم يعرفهما المغرب قبل دخول الأوروبيين، موضحاً أنها واجهت هذا التصور بالبحث في الإنتاج الفني والحرفي السابق على الاستعمار، وإبراز ما راكمه الفنانون والحرفيون المغاربة من إبداع في الرسم والنقش والنسيج والتلوين والتخطيط.
وفي هذا السياق، توقف عند مفهوم «اقتصاد المتخيل» الذي يحضر بقوة في قراءة ماريني للفن، باعتباره مجالاً تتراكم داخله آثار الذاكرة والتاريخ والصراعات والانكسارات والاكتشافات، مؤكداً أن الأعمال الفنية لا تنفصل عن السياقات النفسية والاجتماعية والتاريخية التي أنتجتها.
ورأى أفاية أن ماريني وسعت مفهوم التراث التشكيلي ليشمل كل ما يرتبط بالعمل المصبوغ والمرسوم والمخطوط والمنقوش والمنسوج على السطح والمادة الملونة، وهو ما سمح لها بالنظر إلى تاريخ الفن المغربي باعتباره مجالاً أوسع من التصنيفات التقليدية.
كما أبرز اعتمادها على عدد من المرجعيات الفكرية والنظرية، من بينها جيلبير دوران ومفهوم المتخيل، ورودولف أرنهايم ونظريته حول الفكر البصري، إلى جانب استحضارها لأسماء مثل أندريه مالرو، ووالتر بنيامين، وإدوارد سعيد، ويورغن هابرماس، فضلاً عن حضور أفكار المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في عدد من نصوصها.
وأوضح أفاية أن ماريني كانت تنظر إلى الصورة باعتبارها أكثر من مجرد شكل بصري، إذ كانت تبحث في ما يمكن أن تكشفه الصورة من طبقات الذاكرة والجسد والحركة والمادة والأحاسيس واللغة والألوان، معتبرة أن العمل الفني قادر على التعبير عن جوانب من التجربة الإنسانية قد يصعب قولها بالكلمات.
وفي هذا الإطار، طرح أفاية سؤالاً مركزياً في تجربة ماريني حول كيفية ترجمة نسق بصري بواسطة نسق لغوي مختلف، وكيف يمكن للكتابة عن الفن أن تقترب من «الأطلس البصري» الذي تنتمي إليه الأعمال، في ظل اختلاف لغة الفن عن لغة النقد والكتابة.
وأشار إلى أن ماريني كتبت في مرحلة كان فيها الفن، بحسب تشخيصها، واقعاً تحت تأثير خطاب أدبي لا يستطيع دائماً الإمساك بخصوصية البصري، إلى جانب إعلام لم يكن ينظر إلى الفن من داخله، وهو ما جعل الكتابة عن الفن تواجه دائماً صعوبة الانتقال من الصورة الغائبة إلى اللغة الحاضرة.
واعتبر أفاية أن كتابات ماريني تحولت مع مرور الزمن إلى شهادة تاريخية حية على واقع الفن المغربي، وعلى آماله وإحباطاته وإنجازاته، خصوصاً خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن الماضي إلى أواخر الثمانينيات، وهي مرحلة وصفها بالمختبر الحقيقي للتحولات الثقافية والسياسية والتاريخية التي عرفها المغرب.
وتوقف عند ملاحظة ماريني بشأن التحول من الحماس الذي طبع التجارب الفنية والفكرية في الستينيات إلى حالة من «خيبة الأمل» بدأت، وفق قراءتها، في التأثير على الحياة الإبداعية والفكرية خلال ثمانينيات القرن الماضي.
كما تناول أفاية مفهوم المثاقفة في تجربة ماريني، موضحاً أن العلاقات الفنية والثقافية التي نشأت بين المغرب والعالم لم تكن مجرد عملية نقل أحادية الاتجاه، وإنما شكلت فضاءً للتفاعل والاكتشاف المتبادل، حيث اكتشفت الذات نفسها من خلال الآخر، وتقاطعت الذاكرات الفنية والثقافية في عملية معقدة من التأثير والتأثر.
واستحضر في هذا السياق مفهوم «الطرس» (Palimpseste) الذي ارتبط بفكر عبد الكبير الخطيبي، باعتباره صورة للذاكرة الفنية والثقافية التي تتراكم فيها طبقات متعددة من الآثار، بحيث يصبح كل تفكير في الذات مرتبطاً بما ترسب فيها من تجارب وذاكرات وعلاقات مع الآخر.
وأكد أفاية أن ماريني رفضت اختزال العلاقة بين الثقافات في سؤال بسيط حول «من أخذ من الآخر»، معتبرة أن تاريخ الفن مليء بالتبادلات والاقتباسات والاكتشافات المتبادلة بين الحضارات، وأن التعامل مع هذه العلاقات من زاوية الشعور بالنقص أو التفوق يحجب حقيقة التفاعل الثقافي المركب.
واختتم أفاية قراءته بالتأكيد على القيمة الفكرية والنقدية لكتابات طوني ماريني، باعتبارها وثيقة تتجاوز حدود النقد الفني إلى مساءلة تاريخ الفن المغربي، وعلاقته بالتراث والحداثة والمثاقفة والذاكرة، فضلاً عن إسهامها في جعل الفن مجالاً لفهم المجتمع وتحولاته، وليس مجرد إنتاج جمالي منفصل عن التاريخ والإنسان.








