عربي وعالمي
محمد الأشعري: طوني ماريني اختارت البناء المشترك بدل الوقوف على هامش الثقافة المغربية
الإثنين 05/أكتوبر/2026 - 08:24 م
طباعة
sada-elarab.com/822029
استعاد محمد الأشعري، الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، محطات من المسار الفكري والثقافي للكاتبة والناقدة طوني ماريني، خلال ندوة تكريمية أقيمت في مدينة أصيلة، مستحضراً علاقتها المبكرة بالفن المغربي وإسهامها في مواكبة تحولات المشهد التشكيلي والفكري بالمملكة.
وعاد الأشعري في شهادته إلى صيف عام 1963، حين حلت طوني ماريني بالمغرب للمرة الأولى، وتحديداً بمدينة طنجة، حيث التقت في أحد مقاهي المدينة بالفنانين محمد عطا الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي، بعد أن كانت قد تعرفت على بعض أعمالهم في روما.
ووصف الأشعري ذلك اللقاء باعتباره لحظة كاشفة عن أسئلة مرحلة كاملة، إذ دار نقاش حاد ومتحمس حول وضعية الفن المعاصر في المغرب، وانتقادات للبنية الثقافية والبيروقراطية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، إلى جانب تطلع جيل من الفنانين والمثقفين إلى بناء مشروع فني وثقافي جديد للمغرب.
وتوقف الأشعري عند ما اعتبره أحد المفاتيح الأساسية في تجربة ماريني، والمتمثل في فكرة «البناء المشترك»، موضحاً أنها لم تتعامل مع الثقافة من موقع المراقب الخارجي، وإنما انخرطت في العمل الميداني والتجارب الجماعية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتصورات الإيديولوجية المسبقة.
وفي هذا السياق، استحضر الأشعري مفهوم «ضيافة الآخر» لدى المفكر عبد الكبير الخطيبي، وما يرتبط به من فكرة «الضيافة المزدوجة»، حيث يصبح كل طرف في الوقت نفسه مضيفاً وضيفاً لدى الآخر، مؤكداً أن ماريني عاشت هذه التجربة الثقافية بانفتاح وشغف، وحولت الاختلاف إلى مساحة للتفاعل والإبداع.
وأشار إلى مشاركتها في عدد من المحطات الثقافية والفنية المهمة، من بينها تجربة مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء إلى جانب الفنان فريد بلكاهية، ومجلة «أنفاس»، وتجربة «إنتغرال»، باعتبارها فضاءات ساهمت في تشكيل أسئلة الفن والثقافة والحداثة بالمغرب.
كما سلط الأشعري الضوء على الأسئلة التي أثارتها ماريني حول تاريخ الفن الحديث في المغرب، وفي مقدمتها سؤال العلاقة بين الحداثة والتراث: هل يمثل الفن الحديث امتداداً لتاريخ مغربي معاصر، أم أنه تجربة وافدة، أم أنه تعبير فني مرتبط بتشكل الهوية الوطنية؟
وأوضح أن ماريني لم تتعامل مع هذه الأسئلة من خلال الكتابة عن الفن المعاصر فقط، بل كانت تعود إلى الفن القديم والتراث وتبحث في جذورهما، سعياً إلى فهم التحولات التي عرفها الفن المغربي وموقعها ضمن سياقه التاريخي والثقافي.
واستشهد الأشعري بما أوردته ماريني من أفكار للباحث رودولف أرنهايم حول الفن الحديث، باعتباره نتيجة لتحول تاريخي طويل، مؤكداً أن فهم الماضي يظل ضرورياً لفهم دلالات التحولات الفنية الجديدة.
وفي الجزء الأكثر تأثيراً من شهادته، توقف الأشعري عند التحولات التي عرفها المشهد الفني المغربي منذ لقاء طنجة الأول عام 1963، مستحضراً رحيل عدد من رواد تلك المرحلة، ومن بينهم محمد المليحي ومحمد شبعة ومحمد عطا الله.
وربط الأشعري بين رحيل هؤلاء الفنانين وبين سؤال الذاكرة الفنية المغربية، محذراً من ضياع جانب من التاريخ الشخصي والفني لرواد الحركة التشكيلية بسبب ضعف التدوين والتوثيق.
واستعاد في هذا السياق السؤال الذي طرحته ماريني عقب وفاة الفنان أحمد إدريس يعقوبي: «من أنت، أو ماذا كنت؟»، معتبراً أن السؤال يتجاوز شخص الفنان ليصبح سؤالاً عن الذاكرة نفسها، وعن قدرة الثقافة المغربية على حفظ شهادات وتجارب الذين ساهموا في بناء تاريخها الفني الحديث.
واختتم الأشعري شهادته بالتأكيد على أهمية الدور الذي لعبته طوني ماريني في الكتابة والتوثيق والنقد، باعتبارها واحدة من الأصوات التي ساهمت في مقاومة النسيان، وحفظ جانب من ذاكرة الفن المغربي وتحولاته، من خلال الاقتراب من الفنانين وتجاربهم والانخراط في أسئلتهم بدل الاكتفاء بالحديث عنهم من بعيد.⁹








