عربي وعالمي
من المنصّة إلى المسرح… كيف صنعت الصين اقتصادًا جديدًا لتأجير الروبوتات البشرية؟
لم تعد الروبوتات
البشرية مشهدًا مستقبليًا يُعرض في أفلام الخيال العلمي، بل تحوّلت في الصين إلى “موظفين
مؤقتين” يحضرون الاجتماعات، يرقصون على المسارح، يستقبلون الزوار في المراكز التجارية،
ويصنعون لحظات جذب بصري في أهم الفعاليات. خلال فترة وجيزة، انتقل استخدام هذه الروبوتات
من التجارب المحدودة إلى سوق تأجير نشطة تشهد نموًا متسارعًا، ما فتح الباب أمام نموذج
اقتصادي جديد يُعرف بـ«العمل الحرّ للروبوتات البشرية».
تشير المعطيات إلى
أن السوق الصينية دخلت مرحلة التطبيق واسع النطاق، مدفوعة بإطلاق منصات متخصصة في تأجير
الروبوتات، أبرزها منصة “تشينغتيان” (botshare)،
التي أتاحت للشركات والأفراد استئجار روبوتات بشرية لفترات قصيرة، بدلًا من تحمّل كلفة
الشراء الباهظة. هذا التحول لم يغيّر فقط طريقة استخدام الروبوتات، بل أعاد تشكيل علاقة
السوق بالذكاء الاصطناعي كخدمة مرنة لا كأصل ثابت.
اقتصاديًا، يمثّل
نموذج التأجير قصير الأجل قفزة نوعية في تسويق التكنولوجيا المتقدمة. فبدل أن تبقى
الروبوتات حكرًا على الشركات الكبرى، أصبح بإمكان المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة
منها في المناسبات والفعاليات، بأسعار تبدأ من بضع مئات من اليوانات وقد تصل إلى عشرات
الآلاف وفق الطراز والوظائف. هذا الانفتاح وسّع قاعدة المستخدمين، وساهم في توحيد معايير
الخدمات وتحفيز تطوير سلسلة التوريد، ما انعكس مباشرة على انخفاض أسعار التأجير خلال
العام الماضي.
عمليًا، يتركّز الطلب
الحالي بنسبة تفوق 95% على التأجير قصير الأجل، وفق خبراء القطاع، حيث يسعى العملاء
إلى تحقيق أقصى تأثير بصري وتسويقي في لحظات زمنية محددة، دون الحاجة إلى امتلاك الروبوتات
أو صيانتها. وتُستخدم الروبوتات البشرية اليوم في طيف واسع من السيناريوهات، يشمل الاجتماعات
السنوية للشركات، الحملات الترويجية، المعارض، المسابقات الرياضية، الحفلات الموسيقية،
والأنشطة الثقافية والسياحية.
أما من زاوية الابتكار،
فقد فرض الطلب المتزايد على التأجير تحوّلًا في فلسفة التصنيع نفسها. فبدل التركيز
على تطوير روبوتات متعددة الأغراض، بات المصنعون يميلون إلى تصميم نماذج موجهة لسيناريوهات
استخدام محددة، تجمع بين الأداء العالي والتفاعل البصري والجاذبية التقنية. وتُعد روبوتات
“لينغشي إكس 2” من أكثر النماذج رواجًا في السوق، لا سيما ضمن الفئة المتوسطة إلى الراقية
التي تفضّلها الجهات التجارية.
في قطاع الترفيه،
يبدو نموذج التأجير أكثر نضجًا وانتشارًا. فالعروض الراقصة للروبوتات تمتلك قابلية
عالية للانتشار عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، ما يجعلها أداة مثالية لصناعة
الزخم وجذب الجمهور. ويرى خبراء أكاديميون أن هذا القطاع يُعد المدخل الأسهل لتشكيل
دورة تجارية متكاملة للروبوتات الشبيهة بالبشر، تمتد من العروض الحية إلى الإنتاج التلفزيوني
والسينمائي والأنشطة السياحية.
ومع تطور السوق،
لم يعد التأجير يقتصر على توفير “روبوت + وقت استخدام”، بل تطوّر إلى حلول متكاملة
تشمل مهندسي تشغيل، وبرمجة محتوى، وحزم مهارات، ودعمًا فنيًا كاملًا، وإدارة للسلامة.
هذا التحول من خدمة مؤقتة إلى تشغيل مستدام يعكس نضجًا متزايدًا في نموذج الأعمال،
ويعزّز ثقة العملاء في الاعتماد على الروبوتات ضمن خططهم التسويقية والعملية.
وفي ظل التوقعات
بوصول حجم سوق تأجير الروبوتات البشرية إلى ما لا يقل عن 10 مليارات يوان بحلول عام
2026، تبدو الصين في طريقها لتحويل “العمل الحرّ للروبوتات” من ظاهرة لافتة إلى ركيزة
أساسية من ركائز الاقتصاد الذكي. ومع استمرار انخفاض تكاليف الإنتاج واستقرار التكنولوجيا،
قد لا تبقى هذه الروبوتات مجرد “عمال وقتيين”، بل مرشحة للانتقال تدريجيًا إلى أدوار
أكثر استدامة في الحياة اليومية والاقتصاد الحقيقي.









