عربي وعالمي
سوق وييتشوان نموذج حي لاقتصاد العيد والذاكرة الشعبية في الصين
لم يعد سوق وييتشوان الكبير في مقاطعة
خنان مجرد مساحة للتبادل التجاري، بل تحوّل إلى مشهد اجتماعي وثقافي متكامل، يعكس
كيف تستطيع الأسواق الشعبية أن تصمد أمام العولمة والتجارة الرقمية، بل وأن تعيد
فرض نفسها بقوة في زمن البث المباشر والمنصات الذكية. جملة واحدة فقط، “يا بُني…
ارجع على السوق!”، كانت كافية لإشعال موجة اهتمام واسعة، أعادت هذا السوق العريق
إلى صدارة المشهد، محليًا ورقميًا في آن واحد.
تحليل ظاهرة سوق وييتشوان يكشف أن سر
النجاح لا يرتبط بالحجم وحده، رغم أن السوق يمتد على أكثر من 66 ألف متر مربع ويضم
ما يزيد على 2000 بسطة، ويستقبل خلال الأعياد أكثر من 60 ألف زائر يوميًا. القوة
الحقيقية تكمن في المزج الذكي بين الأصالة واللحظة الراهنة؛ بين تاريخ يعود إلى
عهد أسرة مينغ، وواقع حديث تُنقل تفاصيله لحظة بلحظة عبر البث المباشر، ليصبح
السوق تجربة تُعاش ميدانيًا وتُشاهد رقميًا في الوقت نفسه.
اقتصاديًا، يمثّل السوق نموذجًا حيويًا
للاقتصاد المحلي القائم على المشروعات الصغيرة والمتوسطة. آلاف العائلات تعتمد
بشكل مباشر أو غير مباشر على حركة البيع الموسمية، فيما تتحول الأعياد إلى موسم
ذروة يعيد توزيع الدخل داخل المجتمع المحلي. هذا النوع من الأسواق لا يخلق أرباحًا
فورية فحسب، بل يحافظ على دورة اقتصادية متجذرة، يصعب تعويضها بالمنصات
الإلكترونية وحدها.
ثقافيًا، يقدّم سوق وييتشوان نفسه كحارس
للذاكرة الشعبية. تجارة الماشية، الحِرَف اليدوية، والأصوات التقليدية ليست مجرد
مظاهر فولكلورية، بل أدوات مقاومة حقيقية لاندثار أنماط حياة كاملة. ويبرز الطعام
بوصفه العنصر الأكثر تأثيرًا؛ إذ تتحول أطباق مثل توفو وييتشوان المدرج ضمن التراث
الثقافي غير المادي، وخبز “قوه كوي” البلدي، واللحم البقري المتبل، إلى رموز هوية
أكثر منها سلعًا استهلاكية.
اجتماعيًا، يعيد السوق تعريف مفهوم
العيد. هنا لا يقتصر الاحتفال على الزينة أو الطقوس الرسمية، بل يتجسد في التلاقي
الإنساني، في التفاوض البسيط بين بائع ومشتري، وفي مشاركة الطعام والضحك
والذكريات. هذا البعد الإنساني هو ما يمنح السوق قدرته على الاستمرار، ويجعله
فضاءً جامعًا للأجيال، حيث يتوارث الأبناء شغف المكان قبل أن يتوارثوا البضائع.
في المحصلة، يكشف سوق وييتشوان أن
الأسواق الشعبية ليست بقايا ماضٍ جميل، بل أدوات مستقبلية قادرة على التكيّف مع
التحولات الاقتصادية والإعلامية دون التفريط في روحها. إنه نموذج يثبت أن الأصالة،
حين تُدار بوعي، يمكن أن تتحول من حنين إلى قوة ناعمة، ومن سوق محلي إلى ظاهرة
تتجاوز حدود المكان.









