طباعة
sada-elarab.com/803829
صارت وباء يملأ الشاشات ويتسلل إلى الهواتف ويطارد الناس في كل منصة بلا رقيب ولا سند علمي ولا مصدر واضح ولا جهة مسؤولة وصار كل من يملك كاميرا وهاتفا يستطيع أن يصور زجاجة بلا ملصق ويقول هذا علاج لكل داء ويقسم أن مريضا كان على حافة الموت وشفي في يومين ويعرض تعليقات مصطنعة وشهادات مزيفة وصورا قبل وبعد لا يعرف أحد مصدرها والناس في زمن القلق والبحث عن حل سريع تصدق وتشتري وتدفع وتجرب على أجسادها ما لم يجربه مختبر ولا أقره طبيب ولا راجعته هيئة دواء
والفوضى تبدأ من سهولة النشر فالمنصات مفتوحة والحسابات وهمية والروابط متغيرة والأسماء مستعارة ولا أحد يسأل من أنت ولا من أين أتيت بهذا المنتج ولا أين صنع ولا ما مكوناته ولا ما آثاره الجانبية ولا ما الجرعة الآمنة ولا ما موانع الاستخدام ولا ما التفاعلات مع الأدوية الأخرى وكل هذه الأسئلة التي يسألها العلم قبل أن يسمح بتداول قرص واحد تصبح بلا معنى أمام فيديو مدته ثلاثون ثانية يقول فيه شخص بملابس بيضاء جرب ولن تندم
والخطر يتضاعف لأن هذه الإعلانات لا تبيع مجرد وهم بل تبيع تأخير في العلاج الحقيقي فالمريض الذي يشعر بألم في الصدر أو بورم أو بسكر مرتفع أو بضغط متقلب قد يؤجل زيارة الطبيب لأنه اشترى زجاجة من معلن مجهول وعده بالشفاء التام بلا آثار جانبية وبلا كيماويات وبلا عمليات ويمضي أسبوع وأسبوعان والزجاجة تنتهي والمرض يتقدم والحالة تسوء وعندما يصل أخيرا إلى المستشفى يكون الوقت قد تأخر وتكون المضاعفات قد ثبتت وتكون الفاتورة الصحية والنفسية والمادية قد تضاعفت بسبب إعلان مجهول
والجانب الآخر من الفوضى أن هذه السوق تخلق اقتصادا خفيا لا يدفع ضرائب ولا يلتزم مواصفات ولا يتحمل مسؤولية قانونية إن حدثت كارثة والمنتج قد يكون ماء ملونا وقد يكون أعشابا مجهولة المصدر وقد يكون خليطا من مواد كيميائية خطيرة بلا نسب محسوبة ولا رقابة تصنيع ولا تاريخ صلاحية ولا تخزين سليم فيصل إلى المريض وقد فسد أو تلوث أو تفاعل مع العبوة نفسها ويتحول من وهم إلى سم والضحية لا تعرف من تشتكي ولا أين تذهب لأن البائع اختفى والصفحة أغلقت والرقم صار خارج الخدمة
والأسباب التي غذت هذه الفوضى كثيرة أولها ضعف الوعي الصحي العام وغياب الثقافة الدوائية التي تجعل الإنسان يفرق بين الدواء المرخص والمكمل الغذائي والعشبة التقليدية والوصفة الشعبية والخرافة التسويقية وثانيها بطء الإجراءات في بعض الأنظمة الصحية وصعوبة الوصول إلى طبيب متخصص بسرعة وارتفاع كلفة العلاج في بعض الأحيان مما يدفع الناس إلى البحث عن حل أرخص وأسرع ولو كان بلا ضمان وثالثها قوة تأثير الصورة والفيديو على القرار العاطفي فالناس تصدق ما تراه وتتأثر بقصة شفاء درامية أكثر مما تتأثر بنشرة علمية جافة
ورابعها غياب العقاب الرادع فالإعلان الطبي المجهول يحتاج إلى حساب مغلق وساعة تصوير وممثل يحفظ سطرين ثم أرباحا كبيرة بلا مخاطرة لأن الملاحقة القانونية بطيئة والإثبات صعب والمنصات تتذرع بحرية النشر وتصعب إجراءات الحذف وتحتاج إلى بلاغات كثيرة حتى تتحرك والخامس أن بعض المؤثرين يبيعون الثقة التي جمعوها من المتابعين مقابل مبلغ فيقرأون أي نص يعطى لهم ويقسمون على أي منتج وهم يعلمون أن المتابع يثق في وجوههم لا في المنتج نفسه
والحل يبدأ من تنظيم صارم للإعلان الطبي بحيث لا يسمح لأي جهة بالإعلان عن منتج له علاقة بالصحة إلا بعد تقديم رقم تسجيل رسمي من هيئة الدواء واسم الشركة المصنعة وعنوانها وترخيصها وتاريخ الصلاحية والمكونات والآثار الجانبية وموانع الاستخدام ويكون ذلك مكتوبا واضحا في الإعلان نفسه لا في رابط مخفي ولا في رسالة خاصة ويجب أن تتحمل المنصات مسؤولية مباشرة عن كل محتوى طبي ممول فتراجعه قبل النشر وتحذفه فورا إن خالف الشروط وتغلق الحسابات المخالفة بشكل نهائي
والحل يمر أيضا عبر تمكين المريض من التحقق بنفسه من خلال تطبيق رسمي واحد تابع لوزارة الصحة وهيئة الدواء يدخل فيه اسم المنتج أو صورته أو رقمه فيظهر له فورا إن كان مرخصا أم لا وما استخداماته وما محاذيره وبذلك نقطع الطريق على الوهم قبل أن يباع
والحل يستكمل بتشديد العقوبات على من يروج لمنتج طبي بلا ترخيص فتكون الغرامة كبيرة والسجن حاضرا إن تسبب المنتج في ضرر صحي ويعلن ذلك للناس حتى يعرف كل من يفكر في المتاجرة بصحة البشر أن الثمن باهظ
والحل يحتاج إلى إعلام واع يقدم مساحة للطب المبني على الدليل ويستضيف أطباء يشرحون للناس بلغة بسيطة كيف يفرقون بين العلم والخرافة وكيف يقرؤون النشرة الدوائية وكيف يسألون الصيدلي وكيف يبلغون عن إعلان مشبوه
والحل أيضا عند كل فرد أن يسأل قبل أن يشتري وأن يشك قبل أن يصدق وأن يطلب وصفة من طبيب وأن يشتري من صيدلية مرخصة وأن يرفض أي منتج بلا اسم ولا عنوان ولا نشرة وأن يبلغ عن أي إعلان يراه مخالفا لأن السكوت مشاركة في الفوضى
الفوضى في الإعلانات الطبية المجهولة ليست مسألة تسويق سيئ بل مسألة حياة وموت ومسألة ثقة عامة في المنظومة الصحية ومسألة أموال تضيع على الوهم ومسألة مرضى يتأخر علاجهم ومسألة سمعة بلد تتحول إلى سوق للخرافة إن تركنا الحبل على الغارب
والدواء لا يصنع في استوديو تصوير ولا يختبر بعدد المشاهدات ولا يعتمد بتعليق شكرا شفيت الدواء علم وترخيص وتجارب ومراقبة ومسؤولية وأي طريق آخر هو طريق إلى الخطر حتى لو كان معبدا بالوعود ومزينا بالصور
والغد الصحي الآمن نصنعه اليوم بقرار واضح وبقانون يطبق وبمنصة تحذف وبطبيب يتكلم وبمريض يسأل وبمجتمع يرفض أن تتحول صحته إلى سلعة في يد مجهول يتاجر بالألم ويبيع الأمل في زجاجة بلا هوية











