عربي وعالمي
من طنجة إلى الناظور.. حين تتحول الرؤية الملكية إلى قوة تعيد رسم اقتصاد المغرب
الخميس 29/يناير/2026 - 11:20 م
طباعة
sada-elarab.com/795373
لم تعد الموانئ في عالم اليوم مجرد مرافق لعبور السلع والبضائع، بل تحولت إلى أدوات سيادة اقتصادية ومفاتيح لإعادة رسم خرائط النفوذ والتأثير في زمن تتغير فيه سلاسل الإمداد العالمية بوتيرة غير مسبوقة. وفي خضم هذه التحولات العميقة، يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، تثبيت موقعه كفاعل استراتيجي صاعد، عبر مشاريع كبرى لا تكتفي بمواكبة المتغيرات، بل تستبقها وتعيد توجيه مساراتها. ومن هذا المنطلق، يبرز مشروع «الناظور غرب المتوسط» كأحد أعمدة المرحلة الجديدة، حاملاً أبعادًا اقتصادية وتنموية وجيو-استراتيجية تتجاوز منطق البنية التحتية إلى رهانات التموقع طويل الأمد.
بعد النجاح الدولي اللافت الذي حققه ميناء «طنجة المتوسط»، أكبر موانئ المغرب وإفريقيا، لم يكن الرهان في تكرار التجربة بقدر ما كان في تعميمها وتطويرها. فجاء التوجه نحو جهة الشرق ليعكس إرادة واضحة في نقل دينامية النجاح إلى مجالات ظلت لسنوات خارج دوائر الاستثمار الكبرى، في خطوة تجسد مفهوم التنمية المتوازنة وتُعيد الاعتبار لمبدأ إنصاف الإنسان والمجال. وهكذا، لم يعد «الناظور غرب المتوسط» مجرد مشروع جهوي، بل رافعة وطنية تهدف إلى إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية داخل المملكة.
ويجسد هذا المركب المينائي والصناعي والطاقي المتكامل تحولًا نوعيًا في فلسفة التخطيط الاقتصادي، حيث يقوم على منطق التكامل بدل التجزئة، وعلى خلق منظومة إنتاجية متكاملة بدل الاكتفاء بدور العبور. فالمشروع صُمم ليكون فضاءً يلتقي فيه النشاط المينائي عالي القيمة مع الصناعات الموجهة للتصدير، والأنشطة الطاقية المنسجمة مع التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر، بما يعزز اندماج المغرب في سلاسل القيمة الدولية ويُرسخ جاذبيته الاستثمارية.
ومع اقتراب الإطلاق التشغيلي المرتقب في الربع الأخير من سنة 2026، يدخل «الناظور غرب المتوسط» مرحلة حاسمة، تنتقل فيها الرؤية من مرحلة الإنجاز الهندسي إلى اختبار الأثر الاقتصادي والاجتماعي. فالرهان الحقيقي لا يقاس فقط بحجم البنية التحتية، بل بقدرة المشروع على خلق فرص شغل مستدامة، واستقطاب استثمارات نوعية، وتحويل جهة الشرق إلى قطب اقتصادي فاعل ومندمج في الدورة الاقتصادية الوطنية والدولية.
ولا يمكن فصل هذا المشروع عن سياقه الدولي، حيث يشهد العالم إعادة تشكيل للممرات التجارية واللوجستية بفعل الأزمات الجيوسياسية وتغير أولويات الدول الكبرى. وفي هذا الإطار، يمنح الموقع الاستراتيجي لـ«الناظور غرب المتوسط» على حوض البحر الأبيض المتوسط للمغرب ورقة إضافية لتعزيز أمنه اللوجستي وتنويع شركائه التجاريين وترسيخ مكانته كمنصة موثوقة تربط بين أوروبا وإفريقيا. وهو ما يرفع من مناعة الاقتصاد الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية ويعزز استقلالية القرار الاقتصادي.
وفي عمقه الاجتماعي، يحمل المشروع وعودًا تتجاوز لغة الأرقام، إذ يُنتظر أن يسهم في الحد من الهشاشة، وتقليص الهجرة، وتحفيز بروز نسيج اقتصادي محلي قادر على الاستفادة من الدينامية الجديدة. فالتنمية، في هذا السياق، لا تُختزل في مؤشرات النمو، بل تُقاس بقدرتها على تحسين شروط العيش وتعزيز الشعور بالانتماء والمشاركة في صنع المستقبل.
في المحصلة، لا يمثل «الناظور غرب المتوسط» مجرد استثمار في البحر والرصيف، بل استثمارًا في رؤية بعيدة المدى، تؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تُبنى بالتركيز، بل بالتوازن، ولا تتحقق بالخطاب، بل بالمشاريع المهيكلة. إنه مشروع دولة يؤسس لمرحلة جديدة، ينتقل فيها المغرب من تثبيت موقعه اللوجستي إلى توسيع نفوذه الاقتصادي، ومن إنجازات معزولة إلى شبكة متكاملة من الأقطاب، يكون فيها شرق المملكة شريكًا كاملًا في صناعة المستقبل، لا هامشًا ينتظر فرصًا عابرة.











