رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رئيس التحرير
ياسر هاشم
ads
اخر الأخبار

فن وثقافة

«يا دنيا».. رحلة بصرية يولد فيها الإحساس من رحم التكنولوجيا

الإثنين 26/يناير/2026 - 09:57 ص
صدى العرب
طباعة
ناصر عبدالحفيظ
«يا دنيا»… حين يترجم الذكاء الاصطناعي مشاعر هيثم الشاولي بريشة مخرج واعٍ

على صفحاته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أعرب الفنان والمخرج ناصر عبدالحفيظ عن اعتزازه بتجربته الجديدة مع الطبيب الفنان د. هيثم الشاولي قائلًا:

تشرفت بالتعاون مع الطبيب الفنان د. هيثم الشاولي في كتابة البرومبتات وإخراج هذا العمل، الذي أعتبره باكورة إنتاجي في مجال الذكاء الاصطناعي، بعد مجموعة من التجارب الذاتية.
لم تكن التجربة سهلة، بقدر ما كانت من ذلك النوع من الصعوبة الممتعة التي تدفعك لتتجاوز المألوف، وتسعى لتقديم شكل مختلف في عالم الكليب الغنائي.
جميع الشخصيات، والكادرات، والمشاهد صُممت عبر برومبتات دقيقة لكل لقطة، داخل فكرة رئيسية جذبتني منذ اللحظة الأولى.
روعة الإحساس في صوت د. هيثم الشاولي سبقت الفكرة ذاتها؛ فكان الاستمتاع بها كعمل غنائي سابقًا على تكليفي بإخراجها. انسحبت أذني أولًا، ثم استسلمت لها مشاعري، وهو ما جعل أدوات الذكاء الاصطناعي طيّعة معي بهذا الشكل، فقررت خوض هذه المغامرة التي لم أخض مثلها من قبل.
مغامرة كان نتاجها هذا العمل… خطوة أولى أعتز بها في رحلة إبداعية جديدة، يتجاور فيها الفن مع التكنولوجيا، ويصبح الخيال قابلًا لأن يُرى ويُسمع، ويلخص عملية إنتاجية ضخمة بميزانيات ذكية تساهم في ثراء العملية الفنية.

بهذه الكلمات لا يقدّم عبدالحفيظ مجرد تصريح عابر، بل يضع مفاتيح قراءة العمل منذ بدايته: الإحساس أولًا، ثم الفكرة، ثم التقنية. وهنا تحديدًا تكمن خصوصية كليب «يا دنيا لفي بينا» للفنان هيثم الشاولي، الذي لا يأتي كأغنية مصوّرة تقليدية، بل كتجربة فنية تمثل انعطافة حقيقية في شكل الصورة الموسيقية الحديثة، حيث يتحاور الصدق الإنساني مع الخيال الرقمي في شراكة مبدعة، ثرية ومُدهشة.

منذ اللحظة الأولى، لا يتعامل الكليب مع الصورة بوصفها خلفية للأغنية، بل باعتبارها لغة درامية إنسانية موازية للصوت. الكاميرا لا تكتفي بالمرافقة، بل تفسّر وتعلّق وتغوص في المعنى. ننتقل بين عوالم متعددة كأننا نعبر طبقات الحياة نفسها: الهبوط من الطائرة، ركوب السيارات الفاخرة، ثم المترو الذي يرمز لرحلة الإنسان اليومية، وصولًا إلى الشوارع التي تنبض بتفاصيل الناس، وانتهاءً بفضاءات الفخامة من قصور ويخوت ومسارح ومهابط طائرات. هذا التنقل لا يبدو استعراضًا بصريًا، بل امتدادًا لفكرة الأغنية التي تخاطب الدنيا بوصفها مسرحًا واسعًا للتناقضات.

مشاهد المترو تحديدًا تأتي محمّلة بدلالة رمزية واضحة؛ عربات تتحرك بلا توقف، وجوه عابرة، ولحظات صامتة تختزن حكايات كاملة. ينجح الإخراج هنا في تحويل المكان العادي إلى استعارة كبرى عن العمر الذي يمضي، وعن البشر الذين يتجاورون دون أن يعرف أحدهم ما يعتمل داخل الآخر. الشارع بدوره لا يظهر كديكور، بل ككائن حي؛ إضاءات تنعكس على الواجهات، تفاصيل دقيقة في المحال والأرصفة، وشخصيات ثانوية تحمل على ملامحها مزيجًا من الرضا والتعب، الفرح والانكسار. هؤلاء ليسوا مجرد عابرين، بل صدى بصري لجملة الأغنية التي تتحدث عن الضحك والبكاء، وعن السند الذي يخذل، وعن الحكايات التي تثقل القلب.

ومن المشاهد الذكية بصريًا في العمل توظيف شريط السينما كرمز لذاكرة الإنسان؛ تمر الصور كأنها مشاهد من عمر كامل يُستعرض في ثوانٍ، تتداخل معها لوحات رقص تعبيري واستعراضي تعكس الصراع الداخلي بين الحزن والرغبة في الانطلاق. الجسد هنا يتكلم حين تعجز الكلمات، والحركة تصبح ترجمة صامتة لما تقوله الموسيقى.

ورغم هذا العمق الإنساني، لا يتخلى العمل عن بعده البصري الفخم. القصور تظهر بطراز معماري كلاسيكي يفيض أناقة، واليخوت تشق البحر في لقطات تمنح إحساسًا بالتحرر والاتساع، بينما تمنح مشاهد الطائرات ومهابطها دلالة واضحة على التحليق فوق الأوجاع. حتى الخيل العربية، بحضورها المهيب، تربط بين الأصالة والسمو، بين الأرض والروح. هذه العناصر مجتمعة تصنع صورة إنتاجية تبدو هائلة التكلفة، لكنها في الواقع نتاج ما يمكن تسميته بـ «الميزانية الذكية».

هنا تتجلّى قوة الذكاء الاصطناعي كأداة إبداع لا مجرد وسيلة توفير. استخدام «بروميت» في بناء المشاهد لم يكن بديلًا عن الخيال البشري، بل مضاعفًا له؛ إذ أتاح للمخرج ناصر عبدالحفيظ تصميم بيئات كاملة دون الحاجة إلى السفر بين دول أو استئجار مواقع فاخرة حقيقية، مما حرّر الميزانية لتُستثمر في جودة الصورة والتفاصيل واللمسة الفنية النهائية. وهكذا لم يعد البذخ البصري مرهونًا بضخامة الإنفاق، بل بقدرة المخرج على تطويع التكنولوجيا لخدمة الإحساس.

في موازاة هذا العالم البصري، يأتي صوت هيثم الشاولي محمّلًا بدفء إنساني واضح. أداؤه يمنح الصورة قلبها النابض، ويجعل كل هذا الاتساع البصري متصلًا بتجربة شعورية صادقة. صوته لا يبدو استعراضيًا، بل صادقًا، فيه شجن هادئ يشبه الاعتراف، وفيه قوة داخلية تمنح اللازمة طابع الأمل لا الهروب. كلمات الأغنية التي تتحدث عن تقلبات الحياة، عن الخذلان والأمل، تجد صداها في كل كادر، بينما يدعمها توزيع مايكل جمال وألحان وكلمات أحمد سامي بإيقاع يجمع بين الشجن والدعوة إلى الفرح.

ما يميّز «يا دنيا» في النهاية ليس فقط جمال الصورة أو جودة الموسيقى، بل الفلسفة التي يقترحها العمل: التكنولوجيا ليست نقيضًا للروح، بل يمكن أن تكون أداتها الجديدة. الذكاء الاصطناعي هنا لم يصنع عملًا باردًا أو ميكانيكيًا، بل ساهم في توسيع مساحة الحلم، ومنح المخرج قدرة على رسم عوالم تعيش داخل الإنسان قبل أن تظهر على الشاشة.

بهذا المعنى، يشكّل العمل بطاقة تعريف بمدرسة إخراجية حديثة يقودها ناصر عبدالحفيظ، مدرسة لا تعترف بحدود الجغرافيا ولا تخضع لقيود الميزانيات التقليدية. مدرسة ترى أن الفخامة يمكن تصميمها، وأن العالم يمكن بناؤه من الفكرة، وأن الخيال — حين تدعمه التكنولوجيا — يصبح واقعًا بصريًا ملموسًا.

«يا دنيا» إذن ليس مجرد كليب، بل إعلان عن مرحلة جديدة في صناعة الصورة الغنائية العربية، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإبداع، وتصبح الدهشة نتيجة طبيعية حين يلتقي الحس الإنساني بالرؤية الرقمية.


يادنيا لفي بينا
غناء: هيثم الشاولي
إخراج: ناصر عبدالحفيظ
تأليف (AI): بروميت
كلمات وألحان: أحمد سامي
توزيع موسيقي: مايكل جمال

إرسل لصديق

ads
ads

تصويت

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟
ads
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر

ads