اخبار
طنجة تقود تحولًا جديدًا نحو الاقتصاد الدائري.. 13 شركة صناعية تستعد لجيل جديد من المشروعات الخضراء
الأحد 06/سبتمبر/2026 - 06:43 م
طنجة
طباعة
sada-elarab.com/818353
gا تبدو طنجة مستعدة للاكتفاء بدورها كواحدة من أهم القلاع الصناعية واللوجستية في المغرب، إذ تتجه المدينة إلى خوض مرحلة جديدة عنوانها الصناعة المستدامة والاقتصاد الدائري، عبر إعداد محفظة من المشروعات الصناعية التي تستهدف تقليل الهدر وإعادة استخدام الموارد وتحويل المخلفات إلى قيمة اقتصادية.
وفي خطوة تعكس تنامي الاهتمام بالاقتصاد الدائري داخل الصناعة المغربية، تعمل 13 شركة صناعية في طنجة بالتعاون مع البنك الأوروبي للاستثمار وFrankfurt School of Finance & Management وBank of Africa، على تطوير مشروعات يمكن أن تتحول لاحقًا إلى استثمارات قابلة للتمويل.
وتأتي هذه الخطوة ضمن برنامج SWITCH2CE، وهو برنامج دولي يهدف إلى دعم انتقال سلاسل القيمة الصناعية نحو نماذج أكثر اعتمادًا على إعادة الاستخدام والتدوير وكفاءة الموارد، ويُنفذ بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، مع تمويل مشترك من الاتحاد الأوروبي والحكومة الفنلندية.
من المخلفات إلى مواد خام
الفكرة الأساسية التي تقف وراء المشروعات الجديدة تقوم على تغيير النظرة التقليدية إلى المخلفات الصناعية؛ فما يخرج من مصنع باعتباره نفايات يمكن أن يصبح مدخل إنتاج لمصنع آخر، وهو ما يفتح الباب أمام خفض تكاليف الإنتاج وتقليل استهلاك المواد الخام والطاقة والمياه.
وبحسب المعطيات المتاحة حول المبادرة، شملت المجالات التي ناقشتها الشركات تثمين النفايات الصناعية، وإدارة المياه، ومعالجة وإعادة تدوير المخلفات السائلة، فضلًا عن تبادل المواد والمنتجات الثانوية بين الشركات الموجودة داخل المنطقة الصناعية نفسها.
وتضم الشركات المشاركة أنشطة صناعية متنوعة، من بينها الألومنيوم، والصناعات الغذائية، ومواد التغليف البلاستيكية، والمنسوجات، والأثاث، والكمبوست، بما يعكس تنوع المجالات التي يمكن تطبيق الاقتصاد الدائري فيها.
التمويل.. الحلقة الأهم
ولا تتوقف المبادرة عند تحديد الأفكار، إذ تشمل المرحلة الحالية دراسة الجدوى الاقتصادية والمالية للمشروعات، ومواءمة ملفاتها مع المعايير التي تطلبها المؤسسات التمويلية، وتقديم الدعم للشركات قبل الوصول إلى مرحلة طلب التمويل.
وتشارك Bank of Africa باعتبارها مؤسسة مالية شريكة في البرنامج داخل المغرب، بينما يوفر البنك الأوروبي للاستثمار وFrankfurt School الخبرات والأدوات اللازمة للمساعدة في تحويل الأفكار الصناعية إلى مشروعات أكثر جاهزية للتمويل.
ومع ذلك، لم تُعلن حتى الآن القائمة النهائية للمشروعات التي ستتلقى تمويلًا، أو القيمة الاستثمارية الإجمالية للمحفظة، أو الجدول الزمني لتنفيذ المشروعات، وبالتالي فإن المرحلة الحالية تظل مرحلة إعداد وتقييم وتطوير للمقترحات الاستثمارية.
لماذا طنجة؟
اختيار طنجة لم يكن عشوائيًا؛ فالمنطقة أصبحت خلال السنوات الماضية مركزًا صناعيًا متنوعًا يضم قطاعات السيارات والطيران والمنسوجات والصناعات الغذائية والإلكترونيات، إلى جانب منظومة لوجستية ضخمة مرتبطة بميناء طنجة المتوسط وشبكات الطرق والسكك الحديدية. وتشير بيانات المركز الجهوي للاستثمار إلى وجود 23 منطقة صناعية واقتصادية بالجهة، تمتد على نحو 3900 هكتار.
كما تمثل منصة طنجة المتوسط الصناعية قاعدة صناعية ولوجستية ضخمة، وتضم نحو 1500 شركة وتوفر أكثر من 145 ألف فرصة عمل، وفق بيانات Tanger Med Zones.
هذه الكثافة الصناعية تجعل طنجة بيئة مناسبة لتطبيق مفهوم الاقتصاد الدائري، لأن قرب المصانع من بعضها يتيح فرصًا أكبر لإعادة استخدام المواد والمنتجات الثانوية، وتقليل تكاليف النقل، وإنشاء سلاسل توريد أكثر كفاءة واستدامة.
الاقتصاد الدائري.. خطوة أبعد من إعادة التدوير
ولا يقتصر الاقتصاد الدائري على جمع المخلفات وإعادة تدويرها، بل يقوم على إعادة التفكير في دورة حياة المنتج بالكامل؛ بدءًا من تصميمه واختيار مواده، مرورًا بعملية التصنيع والاستهلاك، وصولًا إلى إعادة استخدامه أو إصلاحه أو استعادة مواده بدل التخلص منه.
وهذا التوجه يتوافق مع مسار أوسع للمغرب نحو بناء صناعة أكثر قدرة على المنافسة وأقل اعتمادًا على الموارد، خصوصًا مع توجه المؤسسات الأوروبية إلى دعم مشروعات خفض الانبعاثات وكفاءة استخدام الموارد في المملكة.
وكان البنك الأوروبي للاستثمار قد أكد أن تمويلاته في المغرب تشمل مشروعات مرتبطة بالتنمية المستدامة والطاقة والمياه ودعم القطاع الخاص، فيما يستهدف أحد برامجه تطوير مناطق تكنولوجية وصناعية وفق معايير بيئية وتعزيز قدرة المغرب على أن يصبح مركزًا صناعيًا تنافسيًا منخفض الكربون.
طنجة.. من بوابة التصدير إلى مختبر للصناعة الخضراء
وتفتح المبادرة الجديدة الباب أمام تحول إضافي في الدور الاقتصادي لطنجة؛ فبعدما رسخت المدينة موقعها كحلقة وصل بين الصناعة المغربية والأسواق العالمية، يمكن أن تصبح أيضًا مختبرًا لنماذج الإنتاج الدائري التي تجمع بين الصناعة والتكنولوجيا والتمويل والاستدامة.
والرهان الأكبر لا يتعلق فقط بتقليل كمية النفايات، وإنما بتحويلها إلى قيمة مضافة وفرص استثمارية جديدة، وخفض تكلفة الإنتاج، وتحسين قدرة الشركات على الالتزام بالمعايير البيئية التي أصبحت عاملًا مؤثرًا في سلاسل التوريد والأسواق العالمية.
وبذلك، تبدو الخطوة الحالية بمثابة بداية لمسار أوسع قد يجعل من طنجة نموذجًا مغربيًا للصناعة التي لا تنظر إلى المخلفات باعتبارها نهاية دورة الإنتاج، بل باعتبارها بداية لدورة اقتصادية جديدة.







