اقتصاد
آرثر دي ليتل الإمارات تقود مرحلة جديدة من العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم إقليمياً
الثلاثاء 25/أغسطس/2026 - 05:00 م
آرثر دي ليتل
طباعة
sada-elarab.com/816978
أشار تقرير جديد صادر عن شركة آرثر دي ليتل إلى قيادة دولة الإمارات العربية المتحدة لمرحلة جديدة من التحول الإقليمي نحو العملات الرقمية الخاضعة للتنظيم، وذلك بالتزامن مع توجه
الحكومات إلى تطوير بدائل منسجمة مع سياساتها السيادية لمواكبة النمو المتسارع للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار
الأمريكي عوضاً عن التصدي لاعتمادها.
وخلص التقرير، الذي يحمل عنوان "عصر العملات المستقرة السيادية: المحاكاة بدلاً من التصدي"، إلى أن مشهد العملات
المستقرة عالمياً يشهد تحولاً جذرياً. فبدلاً من المفاضلة بين السماح بانتشار العملات المستقرة المرتبطة بالدولار الأمريكي أو
فرض قيود عليها، تتجه أعداد متزايدة من الدول والسلطات التنظيمية نحو مسار ثالث، يقوم على السماح بتداول العملات
المستقرة العالمية الخاضعة للتنظيم، بالتوازي مع تطوير بدائل مرتبطة بالعملات المحلية.
وحدد التقرير دولة الإمارات العربية المتحدة بوصفها النموذج الإقليمي الرائد لهذا التوجه الناشئ. فمنذ إرساء أول إطار
تنظيمي شامل في منطقة الشرق الأوسط للعملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالعملات الرسمية في عام 2024، شهدت الدولة
تطور العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم والمدعومة بالدولار الأمريكي، بالتوازي مع بناء منظومة للعملات الرقمية
المرتبطة بالدرهم الإماراتي. وشمل ذلك إطلاق العملة المستقرة "DDSC"، بدعم من الشركة العالمية القابضة، وشركة
سيريوس إنترناشيونال هولدينج، وبنك أبوظبي الأول.
تعكس هذه الخطوة استراتيجية مدروسة ذات مسارين، تقوم على إتاحة العملات المستقرة الخاضعة للتنظيم والمدعومة
بالدولار الأمريكي لدعم الأنشطة الدولية والمعاملات العابرة للحدود، بالتوازي مع تطوير بنية تحتية لعملات مستقرة مرتبطة
بالدرهم الإماراتي، بما يخدم الاستخدام المحلي ويمهد لتوسيع نطاق استخدامها إقليمياً.
وتعليقاً على أهمية النهج الذي تتبعه دولة الإمارات، قال أرجون فير سينغ، الشريك والرئيس العالمي لقطاع التكنولوجيا
المالية والمدفوعات والأصول الرقمية لدى شركة "آرثر دي ليتل"، والمشارك في إعداد التقرير: "تبرهن دولة الإمارات
على أن العملات المستقرة المدعومة بالدولار الأمريكي والمنظومة المحلية للعملات الرقمية تُمثّل بالضرورة خيارات
متنافسة، إذ يمكن للأدوات المالية العالمية مواصلة دعم التدفقات والمعاملات الدولية، في حين تسهم منظومة "الدرهم الرقمي"
الخاضعة للتنظيم في دعم الأنشطة المحلية والإقليمية. ويعزز هذا النهج مكانة دولة الإمارات، ليس بوصفها مجرد دولة تتبنى
حلول التمويل الرقمي، بل سوقاً تسهم في رسم ملامح تعايش العملات الرقمية الخاضعة للتنظيم ضمن مختلف مستويات النظام
المالي".
العملات المستقرة عالمياً تدخل مرحلة جديدة
على الرغم من استمرار هيمنة العملات المستقرة المدعومة بالدولار الأمريكي، بحصة تقارب 97% من السوق التي يغطيها
التقرير، والبالغة قيمتها قرابة 312 مليار دولار أمريكي، فإن العملات المستقرة غير المرتبطة بالدولار تسجل توسعاً لافتاً.
فقد ارتفع عدد مالكيها بنسبة 2,900% خلال الفترة من يناير 2023 إلى فبراير 2026، ليصل إلى 1.2 مليون مالك.
وأشار التقرير إلى أن النمو المتسارع للبدائل غير المرتبطة بالدولار لا يشير إلى تراجع هيمنة العملة الأمريكية، بل من
المرجح أن يعكس توجهاً نحو توزيع الأدوار بين العملات والأدوات المالية المختلفة. إذ يُتوقع أن تواصل العملات المستقرة
المدعومة بالدولار أداء دور محوري في تسوية المعاملات الدولية، بالتوازي مع تنامي دور الأدوات المدعومة من الحكومات
والمقومة بالعملات المحلية في المدفوعات المحلية والإقليمية.
ووصف التقرير هذا التوجه الناشئ بأنه "المحاكاة بدلاً من التصدي"، حيث تستجيب الحكومات للنمو المتسارع للعملات
المستقرة المدعومة بالدولار الأمريكي عبر تطوير بدائل خاصة تتسم بالمصداقية وخاضعة للتنظيم.
ميزة هيكلية تعزز مكانة دول مجلس التعاون الخليجي
أشار التقرير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بميزة هيكلية ضمن المنظومة الناشئة للعملات الرقمية، إذ يمكن
للاقتصادات الخليجية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي تطوير عملات مستقرة مرتبطة بالعملات المحلية، تجمع بين
الاستقرار الاقتصادي المرتبط بالدولار، والخضوع للرقابة التنظيمية الوطنية، والاحتفاظ بالاحتياطيات محلياً.
وبالنسبة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، يتيح هذا التوجه فرصة للعملات الرقمية المدعومة بالدرهم للقيام بدور يتجاوز
نطاق المعاملات المحلية. وحددت شركة "آرثر دي ليتل" منظومة المدفوعات الإقليمية، بما تشمله من تجارة وتحويلات مالية
ومعاملات عابرة للحدود، بوصفها مجالاً واعداً لا يزال مفتوحاً للمنافسة، مع إمكانات لتوسيع توظيف البنية التحتية الرقمية
القائمة في دولة الإمارات لخدمة التدفقات المالية والتجارية ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، وعبر الممرات التجارية التي
تربط منطقة الخليج بأفريقيا وجنوب آسيا.
وحول انعكاسات هذا التحول على المؤسسات المالية ومزودي خدمات الدفع، سلّط الدكتور محمد نيكار، مدير مشاريع في
قطاع الخدمات المالية لدى شركة "آرثر دي ليتل" في الشرق الأوسط، والمشارك في إعداد التقرير، الضوء على الفرص
الناشئة على المستوى الإقليمي، قائلاً: "لم يعد السؤال المطروح أمام البنوك ومزودي خدمات الدفع هو ما إذا كانت ستدخل
مجال العملات المستقرة فحسب، بل أي عملة ستتبنى، وأي منظومة دفع ستعمل ضمنها، وأي فئات من المتعاملين والممرات
التجارية التي يرغبون في خدمتها. لا يزال المجال الإقليمي مفتوحاً أمام فرصاً واعدة، ما يمنح دولة الإمارات العربية المتحدة
ودول مجلس التعاون الخليجي دوراً محورياً في صياغة مستقبل حركة الأموال عبر عدد من أبرز الممرات التجارية
العالمية".
فرصة محدودة زمنياً في الأسواق الأفريقية
وحدد التقرير فرصة استراتيجية محدودة المدة في أفريقيا، التي تمثل سوقاً مهمة لممرات التجارة والتحويلات المالية المرتبطة
بدول الخليج العربي. وتتصدر منطقة أفريقيا جنوب الصحراء دول العالم في معدل تبني العملات المستقرة نسبة إلى الناتج
المحلي الإجمالي، حيث تجاوزت قيمة التحويلات المنفذة عبر شبكات البلوك تشين 56 مليار دولار أمريكي بين الربعين
الأولين من عامي 2024 و2025. وفي ظل اعتماد معظم هذه التدفقات حالياً على بنية تحتية متربطة بالدولار، تشير
تقديرات "آرثر دي ليتل" إلى وجود نافذة زمنية تتراوح بين 24 و36 شهراً قبل أن تتجه التدفقات الإقليمية إلى الاستقرار
ضمن بنى مالية متوافقة مع التوجهات السيادية أو مسارات قائمة على الدولار. ويكتسب هذا الإطار الزمني أهمية مباشرة
للمؤسسات العاملة في دولة الإمارات والتي تخدم ممرات التجارة والتحويلات بين الخليج وأفريقيا.
الشفافية تتحول إلى ميزة تنافسية
ومع تبني الجهات المصدرة المدعومة من الحكومات معايير رسمية للتحقق والتدقيق، بدءاً من التحقق الفوري من الاحتياطيات
في دولة الإمارات العربية المتحدة ووصولاً إلى متطلبات الإفصاح الأسبوعي في هونغ كونغ، أشار التقرير إلى أن الشفافية لم
تعد مجرد التزام رقابي، بل أصبحت مصدراً للميزة التنافسية. إذ تواجه الجهات الخاصة المصدرة التي تتبنى مستويات أقل
من الشفافية تحديات تنافسية متزايدة في الأسواق التي تتوافر فيها بدائل موثوقة وخاضعة للرقابة التنظيمية.
انعكاسات التحول على المؤسسات المالية
وأشار التقرير إلى أنه لم يعد من الملائم أن تتعامل المؤسسات المالية مع العملات المستقرة باعتبارها سوقاً واحدة، في ظل
تبلور منظومة جديدة للمدفوعات تشمل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ويمكن أن تؤدي ضمنها الأشكال المختلفة من
العملات الرقمية أدواراً متخصصة تلبي احتياجات وأغراضاً متباينة.
ويتيح هذا التحول للبنوك القائمة فرصاً جديدة، لكنه يفرض عليها في الوقت نفسه تحديات تنافسية متزايدة. لذا، يتعين على
المؤسسات المالية تحديد الدور الذي تسعى إلى الاضطلاع به، في وقت تتنافس فيه البنوك وشركات التكنولوجيا المالية
ومزودو البنية التحتية على بناء واجهات الخدمات المقدمة للمتعاملين، وأنظمة التسوية، وحلول المدفوعات العابرة للحدود
ضمن المنظومة الرقمية الناشئة.
أما بالنسبة إلى صناع السياسات، فمن المتوقع أن ينتقل التحدي المقبل بصورة متزايدة من تنظيم العملات المستقرة ضمن كل
سوق على حدة، إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني والاعتراف المتبادل بين الأطر التنظيمية المعتمدة.
واختتمت "آرثر دي ليتل" تقريرها بالتأكيد على أن صعود العملات المستقرة السيادية لن يؤدي بالضرورة إلى إضعاف مكانة
الدولار الأمريكي عالمياً، وإنما يمهد لظهور منظومة عالمية للمدفوعات متعددة المستويات. وفي هذه المنظومة، تواصل
العملات المستقرة المدعومة بالدولار أداء دور محوري في المعاملات الدولية، بالتزامن مع تنامي المنافسة من البدائل
المدعومة من الحكومات على المستويين المحلي والإقليمي.
يُعد هذا التقرير الإصدار الأول ضمن سلسلة تقارير تعتزم شركة "آرثر دي ليتل" نشرها حول الأصول الرقمية والتمويل عبر
شبكات البلوك تشين. وستتناول الإصدارات المقبلة موضوعات ترميز الأصول، وهيكلية الأسواق، والتقارب بين التمويل
التقليدي والتمويل اللامركزي.







