طباعة
sada-elarab.com/804094
ة
الطاقة الشمسية ليست رفاهية ولا موضة عابرة بل هي الاقتصاد القادم وهي الأمان وهي الاستقلال وهي الفرصة التي تشرق على مصر كل صباح لأن مصر تملك ما لا تملكه دول كثيرة تملك شمسا لا تغيب إلا قليلا وتملك سماء صافية أغلب أيام السنة وتملك مساحات شاسعة تنتظر أن تتحول من رمل إلى كهرباء ومن صحراء إلى دخل ومن ضوء إلى نمو
والاقتصاد يبدأ من فاتورة والفاتورة تبدأ من الكيلو وات والكيلو وات يبدأ من المحطة والمحطة تبدأ من قرار والقرار يجب أن يبدأ من سؤال بسيط لماذا ندفع كثيرا ونستورد كثيرا ونلوث كثيرا ولدينا شمس مجانية تسطع فوق رؤوسنا تسع ساعات يوميا في المتوسط وأكثر من 300 يوم مشمس في العام وأرقام عالمية تضع مصر بين أفضل دول العالم في الإشعاع الشمسي والقدرة على التوليد النظيف
والحساب بسيط حين تحسب تكلفة لتر الوقود وتكلفة نقله وتكلفة حرقه وتكلفة صيانة محطاته وتكلفة استيراده بالدولار وتكلفة تقلب أسعاره في البورصات العالمية تجد أن الشمس لا تحتاج إلى بواخر ولا إلى موانئ ولا إلى تأمين ولا إلى عملة صعبة الشمس تحتاج فقط إلى ألواح وإلى عقل يخطط وإلى بنك يمول وإلى مصنع يركب وإلى شبكة تستقبل وإلى دولة تشجع
والأرقام تقول إن مصر تستطيع أن توفر مليارات كل عام إذا تحول جزء من استهلاك الكهرباء إلى الطاقة الشمسية في البيوت وفي المصانع وفي المزارع وفي المدارس وفي المستشفيات وفي الفنادق وفي القرى السياحية لأن كل كيلو وات ينتج من الشمس هو كيلو وات لا نشتريه بالدولار ولا نحرقه بالغاز ولا نصدر انبعاثاته للهواء ولا نعالج آثاره على الصحة ولا ندفع فاتورته للأجيال القادمة
والمصانع هي أول مستفيد لأن الصناعة في مصر تستهلك طاقة كثيفة والطاقة تمثل جزءا كبيرا من تكلفة المنتج والمنتج حين تقل تكلفته يصبح قادرا على المنافسة في الداخل وفي الخارج وحين نركب محطات شمسية على أسطح المصانع نوفر في الفاتورة ونثبت التكلفة لعشرين سنة قادمة ونحمي أنفسنا من تقلبات الأسعار ونرفع شعار منتج أخضر يفتح لنا أسواق أوروبا التي صارت تفرض ضرائب على المنتجات كثيفة الكربون
والزراعة هي المستفيد الثاني لأن الفلاح يدفع كثيرا في الديزل لتشغيل ماكينات الري ولأن الكهرباء لا تصل لكل حقل ولأن الشبكة أحيانا لا تتحمل ولأن الفاقد كبير وحين نعتمد على مضخات الري الشمسية نوفر في الوقود ونروي في النهار وقت الذروة ونقلل الفاقد ونزرع أرضا جديدة في الظهير الصحراوي ونحول الصحارى إلى غيطان لأن الماء موجود والشمس موجودة وينقصنا فقط القرار والتمويل والتدريب
والبيوت هي المستفيد الثالث لأن المواطن يشتكي من الفاتورة ولأن الدعم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد ولأن الشبكة تحتاج إلى تخفيف الأحمال في الصيف وحين نركب ألواحا فوق الأسطح ونبيع الفائض للشبكة بنظام صافي القياس يتحول السطح من عبء إلى دخل ويتحول المواطن من مستهلك فقط إلى منتج وشريك ويخف الحمل عن الشبكة وقت الذروة وتقل الانقطاعات وتزيد كفاءة المنظومة كلها
والسياحة هي المستفيد الرابع لأن السائح الأجنبي صار يسأل عن الفندق الأخضر وصار يفضل المقصد الذي يحترم البيئة وصار يدفع أكثر مقابل تجربة نظيفة وحين تتحول فنادق البحر الأحمر وجنوب سيناء إلى الطاقة الشمسية في التكييف وفي تسخين المياه وفي الإضاءة نقلل التكلفة ونرفع التصنيف ونجذب شرائح جديدة ونحافظ على الشعاب المرجانية ونحمي صورتنا أمام العالم
والمدارس والمستشفيات والجامعات هي المستفيد الخامس لأنها تعمل بالنهار وقت ذروة الشمس ولأن فواتيرها ضخمة ولأن استمرار التيار فيها حياة وحين نغطي أسطحها بالألواح نوفر في الموازنة ونضمن استمرار الخدمة ونعلم الطلاب الدرس الأول في الاستدامة بشكل عملي لا نظري
والاقتصاد الكلي يستفيد لأن كل ميجاوات شمسية يتم تركيبها تعني وظائف جديدة في التصميم وفي التركيب وفي الصيانة وفي التصنيع وفي النقل وفي التدريب وتعني توطين صناعة الألواح والبطاريات والهياكل المعدنية والكابلات وتعني تقليل الاستيراد وزيادة التصدير وتعني استقرارا في ميزان المدفوعات وتعني قوة تفاوضية أكبر في ملف الطاقة
ومصر بدأت الطريق بمشروعات كبرى مثل مجمع بنبان في أسوان الذي صار نموذجا عالميا وأثبت أن الصحراء كنز وأن المستثمر يأتي حين يجد شبكة جاهزة وقانونا واضحا وتعريفة عادلة وأرضا مرفقة وربطا سريعا ولكن الطريق لا يكتمل إلا إذا نزلت الشمس من المشروعات الكبرى إلى المشروعات الصغرى إلى سطح كل بيت وإلى حقل كل فلاح وإلى ورشة كل صانع
والعقبات معروفة أولها التمويل لأن التكلفة الأولى للألواح تحتاج إلى قروض ميسرة طويلة الأجل وثانيها الوعي لأن الناس لا تعرف أن العائد يغطي القسط خلال سنوات قليلة وبعدها تصبح الكهرباء مجانية تقريبا وثالثها الإجراءات لأن التراخيص يجب أن تكون شباكا واحدا وسريعا ورابعها الفني لأن السوق يحتاج إلى فنيين مدربين وشركات تركيب معتمدة تضمن الجودة
والحلول موجودة تمويل أخضر من البنوك بفائدة منخفضة وشراكة بين الدولة والقطاع الخاص لتقسيط المنظومات على الفاتورة وتوسع في مبادرات مثل نظام صافي القياس ونظام تعريفة التغذية وحملات توعية في الإعلام وفي المدارس وفي المساجد وفي الكنائس وفي مراكز الشباب وتدريب آلاف الشباب على التركيب والصيانة ومنح اعتماد للشركات الجادة وعقوبات رادعة للنصابين
والصناعة المحلية هي مفتاح التكلفة لأن استيراد الألواح يرفع السعر ويضغط على الدولار بينما تصنيع المكونات في مصر يخفض السعر ويخلق وظائف ويصدر للمنطقة كلها ولدينا رمال بيضاء تصلح لصناعة السليكون ولدينا زجاج ولدينا ألومنيوم ولدينا عمالة مدربة ولدينا سوق ضخم محلي وإقليمي فقط نحتاج إلى حوافز ضريبية وأرض بحق الانتفاع وشراكة مع تكنولوجيا عالمية ونافذة تصدير مفتوحة
والشبكة الذكية هي الضامن لأن الطاقة الشمسية تنتج بالنهار وتقل بالليل ولذلك نحتاج إلى عدادات ذكية وإلى تخزين بالبطاريات وإلى ربط إقليمي نصدر فيه بالنهار ونستورد فيه بالليل عند الحاجة ونحتاج إلى تنويع مصادر مع الرياح ومع المائية ومع الهيدروجين الأخضر حتى تصبح المنظومة متكاملة ومرنة وآمنة
والبيئة هي الرابح الأكبر لأن كل ميجاوات شمسية توفر أطنانا من ثاني أكسيد الكربون وتقلل الأمراض الصدرية وتخفض تكاليف العلاج وتحسن جودة الحياة في المدن وتحافظ على نهر النيل من آثار تغير المناخ وتحمي دلتا مصر من ارتفاع الحرارة وتجعلنا دولة تحترم التزاماتها الدولية وتجذب التمويل المناخي والمنح الخضراء
والفرصة الإقليمية أمامنا لأن أوروبا تبحث عن طاقة نظيفة ولأن خطوط الربط الكهربائي مع الأشقاء تسمح بالتصدير ولأن الهيدروجين الأخضر المنتج بالشمس والرياح هو نفط المستقبل ولأن الموانئ المصرية يمكن أن تتحول إلى مراكز لتموين السفن بالوقود النظيف ولأن المناطق الاقتصادية يمكن أن تستقطب مصانع تبحث عن كهرباء رخيصة ونظيفة ومستقرة
والخلاصة أن الشمس في مصر ليست منظر طبيعي بل أصل اقتصادي وكل يوم نؤجل استغلالها ندفع ثمنه من جيوبنا ومن رئاتنا ومن استقلالية قرارنا وكل بيت يركب ألواحا هو بئر بترول صغير وكل مصنع يتحول هو خطوة نحو منتج أرخص وأنظف وكل فدان يروى بالشمس هو أمن غذائي أقوى وكل مدينة جديدة تعمل بالشمس هي إعلان أن المستقبل بدأ هنا
والقرار الآن عند المواطن وعند المستثمر وعند البنك وعند المشرع وعند الإعلام وعند المدرسة وعند المسجد وعند الكنيسة لأن معركة الطاقة الشمسية ليست معركة وزارة بل معركة أمة ولأن النصر فيها ليس في محطة تفتتح بل في ثقافة تتغير وفي عقل يقتنع وفي يد تمتد إلى السطح وتركب وفي عداد يلف بالعكس
وشمسنا ثروتنا وستبقى ثروتنا إذا حولناها من ضوء إلى كهرباء ومن كهرباء إلى دخل ومن دخل إلى تنمية ومن تنمية إلى كرامة ومن كرامة إلى استقلال ومن استقلال إلى مستقبل لا يخضع لتقلبات برميل ولا لسعر صرف ولا لشحنة متأخرة
فلنبدأ الآن لأن الشمس لا تنتظر ولأن الزمن لا يعود ولأن الفرصة حين تشرق كل صباح إما أن نستثمرها وإما أن نتركها تغرب على غيرنا











