في لحظات التحول الكبرى، لا تُكتب المقالات بقدر ما تُرسم المشاريع الوطنية.
وما نعيشه اليوم
من اضطرابات إقليمية متسارعة لم يعد يسمح بالحلول المؤقتة أو الرؤى التقليدية، بل يفرض
مراجعة جادة لمفاهيم الأمن الوطني وأدواته.
فمصادر التهديد في
منطقتنا لم تتغير في جوهرها، لكنها ازدادت تنظيماً، وتطورت في أدواتها، وأصبحت أكثر
جرأة وتأثيراً.
لقد كشفت السياسات
العدائية التي تنتهجها إيران في محيطها الإقليمي، وما تفرضه من واقع أمني متوتر على
دول الخليج العربي، عن تحول جذري في فلسفة استخدام القوة.
فلم تعد الهيمنة
حكراً على الطائرات المقاتلة أو الأساطيل الضخمة، بل برزت “الأنظمة غير المأهولة” كأحد
أهم أدوات فرض المعادلات الجديدة في موازين الردع.
ولم تعد الطائرات
والقوارب المسيرة مجرد وسائل مساندة، بل تحولت إلى أسلحة استراتيجية تجمع بين الكفاءة
العالية، والتكلفة المنخفضة، وصعوبة الاعتراض—وهي معادلة أعادت رسم شكل الحروب الحديثة.
وأمام هذا التحول،
لم يعد الاكتفاء بالدفاع خياراً كافياً، بل بات التفكير في الانتقال إلى موقع الردع
ضرورة استراتيجية.
وهنا يبرز توطين
هذه الصناعة كقرار سيادي لا يحتمل التأجيل، يتقاطع مع مستهدفات التنمية، ويؤسس لاستقلالية
أمنية حقيقية في بيئة إقليمية لا تعرف الثبات.
اقتصادياً، كشفت
التجارب الحديثة عن مفارقة صارخة: أنظمة دفاعية بملايين الدولارات تُستخدم لاعتراض
تهديدات لا تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف.
هذه المعادلة المختلة
تفرض إعادة تقييم جذرية لنماذج التسليح، بما يحقق التوازن بين الفاعلية والكلفة، ويمنع
استنزاف الموارد في معارك غير متكافئة.
أما الاعتماد على
الاستيراد، فهو في جوهره رهنٌ للقرار الوطني بشروط خارجية، سواء عبر القيود السياسية
أو التشغيلية، أو من خلال التحكم في التحديثات والبرمجيات.
وفي المقابل، يمنح
التصنيع المحلي—حتى وإن بدأ تدريجياً—قدراً أكبر من السيادة التشغيلية، ومرونة في التحديث،
وقدرة على التكيف مع التهديدات المتغيرة.
وبحكم الطبيعة الجغرافية
لمملكة البحرين كدولة أرخبيلية، تبرز القوارب المسيرة كخيار استراتيجي لحماية حدودها
البحرية، ليس فقط كوسيلة مراقبة، بل كأداة ردع فعالة منخفضة التكلفة، قادرة على العمل
المستمر في بيئة بحرية حساسة.
إن تحقيق هذا التحول
يتطلب إرادة مؤسسية واضحة، تبدأ بإنشاء كيان وطني متخصص في الصناعات الدفاعية المسيرة،
وتعزيز التكامل بين المؤسسات العسكرية والبحثية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص ليكون
شريكاً فاعلاً في هذه الصناعة.
كما أن الشراكات
الدولية المدروسة تمثل مدخلاً عملياً لتسريع نقل المعرفة وبناء القدرات.
وفي قلب هذا المشروع،
يظل الإنسان هو الرهان الحقيقي.
فبناء كوادر وطنية
مؤهلة علمياً وتقنياً هو الضامن الوحيد لاستدامة هذه الصناعة، وتحويلها من مشروع مرحلي
إلى ركيزة استراتيجية دائمة.
إن توطين صناعة الأنظمة
المسيرة ليس خياراً عسكرياً فحسب، بل هو إعلان انتقال من الاعتماد إلى الاستقلال، ومن
الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل.
وهو أيضاً استثمار
اقتصادي واعد يفتح آفاقاً واسعة لتوظيف الكفاءات الوطنية وتعزيز مكانة البحرين كمركز
إقليمي للصناعات المتقدمة.
وفي عالم لا يحترم
إلا الأقوياء، تبقى القدرة على الردع هي الضامن الأول للاستقرار، والقوة المتزنة هي
اللغة الأكثر تأثيراً في معادلات السياسة.
فمن يمتلك أدوات
الردع اليوم، لا يحمي أمنه فقط، بل يصوغ شروط السلام غداً.
* قبطان - رئيس تحرير
جريدة«ديلي تربيون» الإنجليزية











