طباعة
sada-elarab.com/798367
تحلّ ذكرى حرب أكتوبر في وجدان المصريين والعرب باعتبارها لحظة فاصلة أعادت تعريف الممكن في السياسة والحرب معًا. ففي العاشر من رمضان 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973، لم يكن المشهد مجرد تحرك عسكري على جبهة القتال، بل كان إعلانًا صريحًا بأن مرحلة الانكسار قد انتهت، وأن زمن استعادة المبادرة قد بدأ. لقد أثبتت التجربة أن الأمم التي تحسن الإعداد وتقرأ واقعها بدقة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص تاريخية.
جاء قرار المواجهة في ظل قيادة الرئيس الراحل محمد أنور السادات ، الذي راهن على عنصر المفاجأة والتوقيت، مستندًا إلى عمل مؤسسي شاركت فيه القيادات العسكرية بكفاءة عالية. وكان للفريق أحمد إسماعيل دور محوري في إدارة العمليات، بينما برز اسم الفريق سعد الدين الشاذلي بوصفه العقل المخطط لعملية العبور. هذا التكامل بين القرار السياسي والرؤية العسكرية صنع نموذجًا يُدرّس في كيفية توظيف القوة لتحقيق أهداف محددة بوضوح.
في الساعات الأولى من المعركة، نجحت القوات المسلحة في عبور قناة السويس وتحطيم تحصينات خط بارليف، الذي روّجت له إسرائيل باعتباره حاجزًا يستحيل اختراقه. غير أن الإرادة المدعومة بالعلم والتدريب أثبتت عكس ذلك. لم تكن المعركة مواجهة سلاح بسلاح فحسب، بل اختبارًا شاملًا لقدرة الجندي المصري على الابتكار تحت الضغط، وقدرته على تنفيذ خطة دقيقة في توقيت بالغ الحساسية.
الأثر الحقيقي لذلك اليوم تجاوز حدود الميدان. فقد أعادت الحرب رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة، وفتحت الباب أمام مسار سياسي أفضى إلى استعادة الأرض عبر مراحل متتابعة، وصولًا إلى عودة سيناء كاملة إلى السيادة المصرية. وهكذا برهنت التجربة أن السلام المستند إلى قوة رادعة يكون أكثر رسوخًا من سلامٍ تفرضه موازين مختلة.
الدلالة الأعمق للعاشر من رمضان تكمن في استعادة الثقة الوطنية. بعد سنوات من تداعيات عام 1967، كان المجتمع في حاجة إلى إثبات عملي بأن التفوق ليس قدرًا ثابتًا لطرف دون آخر. وقد تحقق ذلك حين توحدت مؤسسات الدولة خلف هدف واضح، واحتشد الشعب داعمًا لجيشه في معركة مصير.
إن استحضار هذه الذكرى اليوم ينبغي ألا يتحول إلى احتفاء عاطفي فحسب، بل إلى دعوة دائمة للحفاظ على عناصر القوة الشاملة: جيش محترف، واقتصاد قادر، ومجتمع متماسك. فالتاريخ لا يمنح مكانته لمن يكتفي بتذكر أمجاده، بل لمن يستثمر دروسه في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.
تبقى ذكرى العاشر من رمضان شاهدًا على أن مصر، عندما تتسلح بالإرادة والعلم ووحدة الصف، تستطيع أن تغيّر المعادلات، وأن تحوّل التحدي إلى نقطة انطلاق نحو استقرارٍ يصونه الردع وتحميه الحكمة.












