محافظات
جامع سيدي زغلول برشيد.. خمسة قرون من التاريخ وشاهد على مقاومة الحملة الإنجليزية
الأربعاء 07/أكتوبر/2026 - 11:38 ص
طباعة
sada-elarab.com/822244
في قلب مدينة رشيد بمحافظة البحيرة، يقف جامع سيدي زغلول الأثري شامخًا باعتباره واحدًا من أعرق وأهم المساجد التاريخية في مصر، شاهدًا على قرون متعاقبة من التاريخ والعمارة الإسلامية، ورمزًا بارزًا للمقاومة الشعبية التي تصدى بها أهالي رشيد للحملة الإنجليزية عام 1807.
ويمثل الجامع قيمة دينية وأثرية ومعمارية استثنائية، حيث يمتد تاريخه لأكثر من خمسة قرون، فيما تشير بعض الروايات التاريخية إلى أن جذور الموقع تعود إلى فترة أقدم من ذلك، ليصبح الجامع اليوم واحدًا من أبرز الشواهد على تاريخ مدينة رشيد ومكانتها الحضارية.
ثلاث مراحل إنشائية صنعت تاريخ الجامع
مر جامع سيدي زغلول بعدة مراحل إنشائية، بدأت خلال العصر المملوكي، وتحديدًا نحو عام 775هـ/1373م، عندما أُنشئ القسم الشمالي المعروف باسم «الديواني»، ويُرجح ارتباط إنشائه بشخصية مملوكية تُدعى «فيروز الصلاحي»، حيث ضم هذا الجزء صحنًا وأروقة ملحقة به.
وفي عام 956هـ/1549م، شهد الجامع مرحلة إنشائية جديدة على يد علي زغلول، الذي حمل المسجد اسمه، وشملت أعمال هذه المرحلة إضافة الجزء الجنوبي من المسجد.
ثم جاءت مرحلة ثالثة خلال القرن السابع عشر، على يد محيي الدين عبد القادر، حيث أضيف القسم الشرقي، كما شُيدت المئذنة الشرقية ودكة المبلغ، لتتواصل بذلك عمليات التوسع والتطوير التي شكلت الصورة التاريخية للجامع.
244 عمودًا تحكي تاريخ العمارة الإسلامية
يقع الجامع في الجزء الجنوبي من مدينة رشيد، وتبلغ أبعاده نحو 90 مترًا طولًا و48 مترًا عرضًا، بإجمالي مساحة تقدر بنحو 5300 متر مربع.
ويتميز الجامع بتكوين معماري فريد، حيث يضم نحو 244 عمودًا من الرخام والجرانيت، في مشهد معماري يذكّر بالطراز المميز لجامع الأزهر، بينما تغطي سقفه مجموعة من القباب الصغيرة ذات الطابع العثماني، ترتكز على عقود مدببة تحملها الأعمدة المنتشرة داخل أروقة المسجد.
ويضم المسجد عددًا من العناصر المعمارية والفنية النادرة، من بينها المحاريب المزينة بالزخارف والنقوش الجصية، والمنبر الخشبي المزخرف، إلى جانب محاريب أخرى تعكس المراحل التاريخية المختلفة التي مر بها الجامع.
كما يضم مئذنتين؛ إحداهما شرقية شُيدت ضمن المرحلة الثالثة من إنشاء المسجد، بينما لم يكتمل بناء المئذنة الغربية، لتبقى في صورتها الحالية شاهدًا معماريًا على أحداث تاريخية مهمة شهدتها مدينة رشيد.
منبر المقاومة في مواجهة الحملة الإنجليزية
ولا ترتبط قيمة جامع سيدي زغلول بالتاريخ والعمارة فقط، وإنما يحتل مكانة خاصة في الذاكرة الوطنية المصرية، لارتباطه بأحداث مقاومة الحملة الإنجليزية على رشيد عام 1807م.
وخلال المواجهات، ارتبط المسجد بأحداث المقاومة الشعبية التي قادها أهالي المدينة في مواجهة القوات الإنجليزية، وتذكر الروايات التاريخية أن تكبيرات «الله أكبر» انطلقت من المسجد بقيادة الشيخ حسن كريت، نقيب الأشراف وإمام المالكية آنذاك، إيذانًا ببدء المواجهة الشعبية مع القوات الإنجليزية.
وانتهت معركة رشيد بهزيمة القوات البريطانية، بعد أن تكبدت خسائر كبيرة، وأُسر عدد من جنودها، قبل أن تتواصل المقاومة في قرية الحماد خلال شهر أبريل من عام 1807، لتسهم هذه الأحداث في إفشال الحملة الإنجليزية على رشيد.
وخلال تلك الأحداث تعرضت المئذنة الغربية للقصف، وبقيت غير مكتملة، لتتحول مع مرور الزمن إلى شاهد معماري حي على واحدة من أهم صفحات المقاومة الشعبية في تاريخ مصر الحديث.
ترميم الجامع وإعادته للحياة
وللحفاظ على هذا الأثر التاريخي، شهد الجامع خلال العقود الأخيرة أعمال ترميم وإعادة تأهيل واسعة استهدفت صون عناصره المعمارية والأثرية وإعادته إلى أداء دوره الديني.
وبدأت أعمال الترميم عام 2005، ونفذتها شركة المقاولون العرب، واستمرت أعمال الترميم والتطوير لعدة سنوات، وشملت الجزء الغربي من المسجد، ورفع مناسيب الأرضيات، وتدعيم الأعمدة، وإصلاح القباب والعناصر المعمارية المختلفة.
واكتملت أعمال ترميم الجزء الغربي من الجامع في نحو عام 2017، بتكلفة قاربت 25 مليون جنيه، قبل أن يُفتح المسجد جزئيًا أمام المصلين خلال شهر رمضان عام 2018، في احتفالية شهدت حضور عدد من الوزراء وقيادات محافظة البحيرة والقيادات التنفيذية والدينية.
أثر حي يجمع بين العبادة والتاريخ
ويجسد جامع سيدي زغلول نموذجًا فريدًا لتداخل المراحل التاريخية والحضارية في العمارة الإسلامية المصرية، حيث تتجاور داخله ملامح العصر المملوكي مع توسعات القرن السادس عشر، والإضافات ذات الطابع العثماني في مراحل لاحقة، ليصبح الجامع سجلًا معماريًا حيًا لتطور العمارة الإسلامية عبر قرون متعاقبة.
ولا تتوقف أهمية الجامع عند قيمته الأثرية والمعمارية، بل تمتد إلى مكانته في الذاكرة الوطنية، باعتباره أحد الشواهد الباقية على مقاومة أهالي رشيد للحملة الإنجليزية عام 1807، ليظل رمزًا للصمود والإرادة الشعبية.
واليوم، يواصل جامع سيدي زغلول أداء رسالته الدينية، بعد أن عاد لاستقبال المصلين، ليجمع بين أصالة التاريخ وروح العبادة، ويظل شاهدًا على تاريخ مدينة رشيد العريق، ومنارة دينية وحضارية تروي للأجيال قصة مدينة صنعت صفحات مهمة من تاريخ مصر.








