رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رئيس التحرير
ياسر هاشم
اخر الأخبار

اخبار

قصر الريسوني.. قلب ثقافي ينبض داخل المدينة العتيقة الأصيلة

الأحد 04/أكتوبر/2026 - 07:56 م
قصر الريسوني
قصر الريسوني
طباعة
شيماء صلاح
قصر الريسوني.. قلب ثقافي ينبض داخل المدينة العتيقة لأصيلة


تحتفظ بعض الأماكن بقدرتها العجيبة على مقاومة النسيان؛ لا لأنها بقيت كما كانت، وإنما لأنها تعرف كيف تمنح ذاكرتها حياة جديدة. وقصر الريسوني، أو «قصر الثقافة» كما يعرف اليوم، واحد من تلك الأماكن التي لا يمر بها الزائر في أصيلة دون أن يشعر بأن وراء جدرانها حكاية طويلة، وأن كل زاوية منها تحمل شيئاً من تاريخ المدينة وروحها.

يقف القصر داخل المدينة العتيقة لأصيلة شاهداً على زمن تغيرت خلاله ملامح المكان، وتعاقبت عليه أجيال وأحداث، قبل أن يتحول تدريجياً إلى فضاء يحتضن الثقافة والفن والفكر، ويصبح واحداً من أبرز الأمكنة التي ارتبط اسمها بالحياة الثقافية للمدينة.

شُيّد قصر الريسوني مطلع القرن العشرين، وظل على امتداد عقود جزءاً من الذاكرة المعمارية لأصيلة. ومع مرور السنوات، لم يعد القصر مجرد مبنى تاريخي يستحضر ماضي المدينة، بل اكتسب وظيفة جديدة جعلته حاضراً بقوة في حاضرها الثقافي.

يحمل المكان مفارقة جميلة؛ فالجدران التي صمدت أمام الزمن أصبحت اليوم تستقبل أصواتاً جديدة، والفضاءات التي تختزن آثار الماضي تحولت إلى منصات للحوار والإبداع، بينما تستمر أصيلة في كتابة فصل جديد من قصتها الثقافية.

ويكتسب القصر أهمية خاصة من ارتباطه بفعاليات منتدى أصيلة، الذي جعل من الثقافة والفكر والفن جزءاً أساسياً من هوية المدينة. ومع كل دورة من دورات المنتدى، يستعيد قصر الريسوني حيويته، وتفتح أبوابه أمام الأدباء والفنانين والمفكرين والباحثين وضيوف المدينة.

تتحول أروقته وقاعاته إلى فضاءات للقاء، وتصبح جدرانه شاهدة على نقاشات وأفكار ولقاءات تجمع أشخاصاً ينتمون إلى بلدان وثقافات مختلفة. وبين تلك الجدران، لا تبدو الثقافة نشاطاً عابراً، وإنما جزءاً من حياة المكان وامتداداً طبيعياً لتاريخ أصيلة.

ولعل خصوصية قصر الريسوني تكمن تحديداً في هذا التداخل بين التاريخ والثقافة. فالمكان لا يعيش على أمجاد الماضي وحدها، كما أنه لا يتخلى عن ذاكرته لصالح الحاضر. إنه يجمع الزمنين معاً، ويمنح كل واحد منهما مساحة للحضور.

وحين يدخل الزائر إلى القصر، قد يشعر بأن الصمت الذي يلف بعض أجزائه ليس فراغاً، وإنما ذاكرة متراكمة. ذاكرة مدينة عرفت البحر والتجارة والهجرة والتحولات السياسية، ثم اختارت الثقافة طريقاً جديداً لتعريف نفسها أمام العالم.

ولا يمكن فصل قصر الريسوني عن صورة أصيلة نفسها؛ فالمدينة التي اشتهرت بأسوارها القديمة وأبوابها وبيوتها البيضاء وإطلالتها على المحيط، استطاعت أن تجعل من فضاءاتها التاريخية جزءاً من مشروعها الثقافي. وهنا تحديداً تبرز قيمة القصر باعتباره نقطة تلتقي فيها هوية المكان مع المشروع الثقافي الذي جعل من أصيلة اسماً معروفاً خارج حدودها.

على مدى سنوات، استقبل القصر أسماء مختلفة من عالم الثقافة والفن والفكر، وأصبح شاهداً على لحظات حوار ونقاش وتبادل للأفكار. ولم يعد حضور هذه الشخصيات مجرد حدث عابر، بل ساهم في ترسيخ صورة القصر باعتباره أحد الرموز الثقافية للمدينة.

وتزداد قيمة المكان عندما يتعلق الأمر بالفن التشكيلي، الذي يحتل موقعاً خاصاً في تجربة أصيلة. فالمدينة نفسها تحولت إلى مساحة مفتوحة للألوان والجداريات، وأصبحت علاقتها بالفن جزءاً من صورتها أمام الزوار. ويأتي قصر الريسوني ليكمل هذه الصورة، باعتباره فضاءً تلتقي فيه الأعمال الفنية بالعمارة التاريخية.

كأن أصيلة أرادت أن تقول إن الفن لا يحتاج دائماً إلى قاعات حديثة كي يعيش، وإن الجدران القديمة يمكن أن تصبح بدورها مساحة للإبداع، وإن التاريخ حين ينفتح على الثقافة لا يتحول إلى عبء، بل يصبح مصدراً للقوة والجمال.

وتمنح المدينة العتيقة القصر بعداً إضافياً؛ فالوصول إليه يمر عبر فضاءات تحمل هي الأخرى آثار قرون من التاريخ، بينما يقود الطريق إلى مكان يواصل احتضان أنشطة ثقافية معاصرة. رحلة قصيرة بين الماضي والحاضر، تختصر إلى حد كبير قصة أصيلة نفسها.

لقد نجحت المدينة في أن تجعل من ذاكرتها التاريخية جزءاً من مستقبلها، ولم تكتفِ بالحفاظ على المباني القديمة باعتبارها آثاراً صامتة، بل أعادت إدخالها في دورة الحياة الثقافية. وقصر الريسوني واحد من أبرز الأمثلة على ذلك.

ولا تتوقف أهمية القصر عند ما يستضيفه من أنشطة، بل تمتد إلى رمزيته. فهو يختصر فكرة أساسية ارتبطت بتجربة أصيلة: الثقافة يمكن أن تعيد اكتشاف المكان، وأن تمنح المبنى القديم وظيفة جديدة، وأن تجعل من الذاكرة وسيلة للانفتاح على المستقبل.

لهذا يبدو قصر الريسوني أكثر من معلمة تاريخية. إنه مكان تتقاطع فيه حكايات المدينة مع أحلامها، وتلتقي فيه ذاكرة الأجيال مع أصوات الحاضر، وتتحول فيه الثقافة إلى وسيلة للحفاظ على روح المكان.

وبين جدرانه، تبدو أصيلة كما لو أنها تستعيد تاريخها كل مرة، ولكنها لا تكتفي باستعادته، بل تضيف إليه فصلاً جديداً. فكل معرض يحتضنه القصر، وكل لقاء فكري أو فني يقام داخله، يضيف طبقة جديدة إلى ذاكرته، ويجعل المكان أكثر ارتباطاً بالمدينة وأهلها وضيوفها.

هكذا، أصبح قصر الريسوني أحد الوجوه التي تختصر روح أصيلة؛ مدينة صغيرة اختارت أن تجعل من التاريخ والفن والثقافة عناصر أساسية في هويتها. وظل القصر، بصمته المعمارية وذاكرته الطويلة وحضوره الثقافي، شاهداً على قدرة المكان على أن يتجدد دون أن يفقد ملامحه.

قصر الريسوني ليس مجرد جدران قديمة، بل ذاكرة حية لمدينة تعلمت كيف تصالح بين ماضيها وحاضرها. وكلما عادت أصيلة إلى موعدها مع الثقافة والفن، عاد القصر بدوره إلى الحياة، ليواصل احتضان الحكاية التي بدأت منذ أكثر من قرن، وما تزال فصولها تُكتب حتى اليوم.
قصر الريسوني.. قلب
قصر الريسوني.. قلب
قصر الريسوني.. قلب
قصر الريسوني.. قلب

إرسل لصديق

ads
ads

تصويت

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر