محافظات
المستقبل العقاري سيقوده الإنسان وسلوكياته لا المباني
الأربعاء 19/أغسطس/2026 - 12:50 م
طباعة
sada-elarab.com/816377
بقلم: عثمان تشليكَر الرئيس التنفيذي لمجموعة إرث
رؤية حول مستقبل تصميم بيئات العمل وقطاع العقارات التجارية
على مدى عقود، ارتكز تقييم العقارات التجارية على ثلاثة عناصر رئيسية: الموقع، والمساحة، والمواصفات الفنية، ولا تزال هذه العوامل تحتفظ بأهميتها حتى اليوم، لكنها لم تعد وحدها كافية لتفسير ما يجعل بيئة العمل ذات قيمة حقيقية، أو لماذا تنجح بعض المساحات في استقطاب الناس، بينما تعجز أخرى، رغم امتلاكها مواصفات مماثلة على الورق، عن تحقيق الأثر نفسه.
فالسبب يكمن في أن الأشخاص الذين يستخدمون هذه المباني قد تغيروا، بينما لم تواكب المباني هذا التغيير بالسرعة الكافية. لقد شهدت طرق عيشنا وعملنا وتواصلنا تحولات عميقة، وأؤمن بأن الفصل المقبل من مسيرة قطاعنا لن تحدده المباني بقدر ما ستحدده احتياجات الإنسان وسلوكياته.
السوق يكافئ اليوم بيئات العمل الأفضل
لم يعد هذا التوجه مجرد فكرة نظرية أو رؤية للمستقبل، بل أصبح واقعاً ملموساً يتجلى بوضوح في أحد أكثر أسواق العقارات التجارية تنافسية في العالم، وهو دبي. فقد بلغ معدل الشواغر في المكاتب الفاخرة خلال الربع الأول من عام 2026 نحو 0.7% فقط، فيما ارتفعت إيجارات المكاتب الفاخرة بنسبة 17.2% على أساس سنوي، وسجلت إيجارات مكاتب الفئة أ نمواً بنسبة 19% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات " JLL". ووُصف هذا التوجه بأنه "التحول نحو الجودة"، حيث باتت الشركات والمستأجرون يفضلون بيئات العمل التي تقدم تجربة متكاملة تتجاوز المفهوم التقليدي للمكاتب.
وتحمل هذه الأرقام رسالة واضحة؛ فالطلب لم يعد يتركز على زيادة المساحات فحسب، بل على تحسين جودتها. ومع محدودية المعروض من المساحات عالية الجودة، واحتدام المنافسة بين الشركات لاستقطاب الموظفين إلى بيئات عمل يرغبون فعلاً في الوجود فيها، أصبحت التجربة هي العامل الحاسم في اتخاذ القرار.
المكتب اليوم وجهة يختارها الناس... لا مكاناً يفرض عليهم
ولا يقتصر هذا التحول في السلوك على دبي وحدها، بل أصبح ظاهرة عالمية. فقد أظهر استطلاع جينسلر العالمي لبيئات العمل 2025، الذي شمل أكثر من 16,800 موظف مكتبي في 15 دولة، أن 14% فقط من المشاركين يفضلون بيئة العمل المؤسسية التقليدية. وبات الموظفون اليوم يبحثون عن مساحات أقرب في جوهرها إلى تجارب الضيافة منها إلى المكاتب التقليدية؛ أماكن تمنحهم شعوراً بالراحة، وتعزز التواصل، وتوفر بيئة أكثر إنسانية وطبيعية.
وتخلص جينسلر إلى أن التصميم لم يعد مجرد عنصر جمالي أو خلفية للمكان، بل أصبح محركاً أساسياً للأداء والانتماء، يحوّل بيئة العمل إلى وجهة يختار الناس الذهاب إليها بإرادتهم. وهذه الكلمة، "وجهة"، تعبّر تماماً عن الطريقة التي ننظر بها اليوم إلى بيئة العمل. فلم يعد السؤال: كيف نبني مكتباً جديداً؟ بل أصبح: كيف ينبغي أن يشعر الناس عندما يدخلون إليه؟
التجربة أصبحت اليوم أساس القيمة الحقيقية
لم يعد هذا التوجه مجرد تصور نظري، بل تؤكده الأرقام بوضوح. فقد أظهر استطلاع جينسلر لبيئات العمل 2025 أن الموظفين الذين يعملون في بيئات عمل متميزة تزيد احتمالية استمرارهم مع مؤسساتهم بنحو ثلاثة أضعاف، كما أن 90% ممن يشعرون بالرضا عن مساحة عملهم يعبرون عن فخرهم بالانتماء إلى شركاتهم، مقارنة بـ 47% فقط من أولئك الذين لا يشعرون بالارتباط ببيئة عملهم. لكن التحدي الحقيقي يكمن في أن معظم أماكن العمل لم تواكب هذا التحول بالسرعة المطلوبة. ووفقاً لاستطلاع جينسلر 2026، أفاد ثلثا الموظفين بأنهم يضطرون إلى ابتكار حلول أو تعديل مساحات عملهم بأنفسهم لتعويض ما تفتقر إليه بيئة العمل من مقومات أساسية.
وهنا تتضح أكبر فرصة أمام قطاع العقارات التجارية اليوم؛ فالفجوة بين ما توفره المباني وما يحتاجه الأشخاص الذين يستخدمونها أصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. ولم تعد الرفاهية، والشعور بالانتماء، وجودة التجربة مزايا إضافية، بل أصبحت عوامل تمنح المؤسسات ميزة تنافسية حقيقية.
التصميم انطلاقاً من سلوك الإنسان
في إرث، يبدأ كل مشروع من الإنسان، لا من المبنى. فنحن نخصص الوقت لفهم الطريقة التي سيعيش بها الناس ويعملون ويتواصلون بها خلال العقود المقبلة، لأننا نؤمن بأن أفضل المساحات تنشأ من فهم السلوك الإنساني والاستجابة له، لا من مجرد مواكبة توجهات السوق. وكثيراً ما أطرح على فريقنا سؤالاً بسيطاً: كيف ستبدو وجهة العمل من الجيل الجديد إذا صُممت انطلاقاً من احتياجات الإنسان أولاً؟
كان هذا السؤال نقطة الانطلاق لمشروع إتش كيو باي روڤ، وجهة العمل التي طوّرناها بالتعاون مع روڤ للفنادق في مراسي باي مارينا في الخليج التجاري. بدلاً من التعامل مع الضيافة كخدمة إضافية، جعلناها محور التجربة بأكملها.
فكل عنصر في الوجهة، بدءاً من أوبريسو، المقهى العمودي الأول من نوعه والمندمج في رحلة المصعد، وصولاً إلى كبائن بيوت الأشجار العائمة، وذا بلوك، قاعة المأكولات، ومساحات العافية، وأكشاك العمل على السطح، صُمم بعناية لتعزيز التواصل والإبداع والتفاعل الهادف، بما يتجاوز مفهوم المكتب التقليدي.
فبعض أفضل الأفكار تولد بين الاجتماعات، وليس داخلها فقط.
توسيع آفاق الضيافة بالذكاء الاصطناعي
يعني التصميم انطلاقاً من الإنسان أيضاً إدراك أن بيئة العمل الحديثة تتجاوز حدود المساحة المادية للمكتب. ومنذ البداية، كان أحد التزاماتنا في إتش كيو باي روڤ توفير مساعد افتراضي لكل صاحب عمل، للمساعدة في تبسيط متطلبات الحياة اليومية وإدارة الأعمال بسلاسة أكبر. ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الطريقة التي نعمل بها، نرى فرصة للارتقاء بهذا الالتزام إلى مستوى أبعد. طموحنا هو ابتكار مساعد ذكي لبيئة العمل يعمل بهدوء في الخلفية، ويدعم إيقاع الأعمال اليومي، بدءاً من إدارة الاجتماعات وتنظيم الجداول، وصولاً إلى تنسيق الخدمات وتقليل المهام الصغيرة التي تستنزف وقتاً ثميناً على مدار اليوم.
وكما تستبق الضيافة احتياجات الضيف قبل أن يعبّر عنها، نؤمن بأن التكنولوجيا يجب أن تفعل الشيء نفسه في بيئة العمل. وعند توظيفها بالشكل الصحيح، لا تحل التكنولوجيا محل التجربة الإنسانية، بل تعززها، وتتيح لأصحاب الأعمال وفرقهم قضاء وقت أقل في المهام الروتينية، ووقت أطول في الابتكار والتعاون والنمو.
وهذا، بالنسبة لنا، هو التطور المقبل لمفهوم الضيافة في بيئة العمل.
بناء قيمة تدوم
إذا كان السلوك الإنساني هو نقطة الانطلاق، فمن الطبيعي أن تتغير الطريقة التي نقيس بها القيمة أيضاً. وبالنسبة لنا، لا يُقاس النجاح بنسبة الإشغال أو حجم المعاملات فحسب، بل بمدى قدرة المساحات التي نصممها على أن تظل ذات معنى وملائمة وممتعة بحق لعقود قادمة.
وستتحدد القيمة المستدامة للعقارات التجارية، بشكل متزايد، بمدى نجاح المباني في تلبية احتياجات الأشخاص الذين يستخدمونها. فقد يحتفظ المبنى بموقعه ومواصفاته، لكنه قد يفقد أهميته إذا لم يعد قادراً على خدمة من يعيشون ويعملون داخله.
قد يكتمل بناء المبنى في لحظة، لكن مدى ملاءمته وقيمته يُختبران كل يوم بعد ذلك. ولهذا، فإن بناء مساحات قادرة على الصمود أمام تغير الزمن يبدأ أولاً بفهم سلوك الإنسان واحتياجاته المتطورة.
الفرصة التي يحملها المستقبل في جعبته
وهنا تكمن جاذبية المرحلة الراهنة. فعلى مدى سنوات طويلة، تعامل قطاع العقارات مع التجربة باعتبارها لمسة نهائية تُضاف بعد اتخاذ القرارات المتعلقة بالهيكل والمواصفات والتكلفة. لكن المعطيات اليوم تشير إلى اتجاه مختلف تماماً؛ فالتجربة لم تعد عنصراً إضافياً، بل أصبحت جوهر القرار نفسه.
يمتلك قطاع العقارات التجارية فرصة حقيقية للارتقاء بجودة حياة الناس اليومية، لا أن يقتصر دوره على توفير أماكن للعمل. والمطورون الذين يدركون ذلك، ويختارون وضع الإنسان في صميم قراراتهم بدلاً من اتباع الأساليب التقليدية، سيكونون الأقدر على رسم ملامح المرحلة المقبلة من القطاع.
لقد تغيرت بيئة العمل. ولن تكون المشاريع القادرة على الحفاظ على قيمتها هي تلك التي توفر أكبر مساحات أو أطول قائمة من المواصفات، بل تلك المصممة لتواكب ما يحتاج إليه المستقبل؛ حيث تتكامل جودة التصميم المدروس والضيافة والتكنولوجيا الذكية حول تجربة الإنسان ورفاهيته، وقبل كل شيء، حول الناس.
لأن مستقبل العقارات لن تحدده المباني التي نشيدها فحسب، بل الأشخاص الذين يختارون أن يقضوا أيامهم داخلها.





