رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رئيس التحرير
ياسر هاشم
ads
اخر الأخبار

منوعات

بين أنياب السُم وتصفيق الجمهور… الحاوي المغربي يصنع الفرجة " بالفيديو والصور "

الإثنين 12/يناير/2026 - 09:59 ص
صدى العرب
طباعة
شيماء صلاح
في قلب الساحات الشعبية المغربية، حيث تختلط روائح التاريخ بنبض الحاضر، وحيث لا تعترف الأرض بالخوف، يقف الحاوي بثبات لا يهتز، ممسكًا بنايه، يطلق نغمات حادة، فتخرج الثعابين من سلالها كأنها تستجيب لأمر خفي. لحظة صمت مشحونة، أنفاس محبوسة، أعين متسمّرة، ثم يبدأ العرض… ثعابين تتمايل، أجساد ملتوية، وحاوي يواجه الخطر بابتسامة الواثق، ليقدّم مشهدًا يتجاوز الفرجة إلى فن شعبي شديد التعقيد، يختزل سنوات من الاحتراف والمجازفة.

الحاوي… مهنة تمشي على حدّ السُم

الحاوي في المغرب ليس مجرد مؤدٍ في عرض شارع، بل هو وريث تقليد عريق، تعلّم منذ الصغر كيف يتعامل مع أخطر الزواحف، وكيف يحوّل لحظة المواجهة مع الثعبان من خطر قاتل إلى مشهد منضبط الإيقاع. هذه المهنة تنتقل غالبًا داخل العائلات، حيث يبدأ الطفل بمراقبة الحركات، حفظ المسافات، وفهم لغة الجسد قبل أن يلمس الثعبان بيده.

الاحتراف هنا لا يُقاس بالشجاعة وحدها، بل بالحكمة والانتباه، فخطأ صغير كفيل بأن ينهي العرض – وربما الحياة.



ما يبدو للجمهور رقصة ساحرة، هو في الحقيقة تفاعل مدروس بين الحاوي والثعبان. فالحاوي لا يعلّم الثعبان الرقص بالمعنى المتعارف عليه، بل يدرّبه على التمايل والتحرك استجابة للحركة والإيقاع، مستفيدًا من طبيعة الزواحف الدفاعية وحساسيتها الشديدة للاهتزازات.

يقرأ الحاوي سلوك الثعبان كما يقرأ الموسيقي نوتته، يعرف متى يقترب، ومتى ينسحب، ومتى يرفع الناي ليبقي الثعبان في حالة تركيز وتفاعل، دون أن ينقلب المشهد إلى فوضى.

أدوات الاحتراف لرقص الثعابين 

موسيقى، تركيز، وسيطرة أعصاب
لا يحتاج الحاوي إلى معدات حديثة، فعدته الأساسية هي:

ناي أو غيطة تصنع الإيقاع وتشد انتباه الجمهور
سلال تقليدية تحفظ الثعابين
معرفة دقيقة بأنواع الثعابين وسلوكها
أعصاب باردة لا تخون صاحبها أمام الخطر
الاحتراف الحقيقي يظهر حين ينجح الحاوي في إدارة العرض وسط دائرة من الناس، أطفال وسياح، دون أن يسمح لأي عنصر بالخروج عن السيطرة.
بين السياحة والرزق

تحولت عروض الحاويين إلى علامة فارقة في المشهد السياحي المغربي، خاصة في الساحات الشهيرة، حيث يتوقف الزوار لالتقاط الصور، وتوثيق اللحظة، والانبهار بما يعتبرونه مشهدًا استثنائيًا. بالنسبة للحاوي، هذا العرض هو مصدر رزق يومي، يعتمد على مهارته في شد الجمهور، وطول العرض، وقدرته على إثارة الدهشة دون تهديد السلامة.
لكن هذا الرزق غير مضمون، تحكمه المواسم السياحية وتقلبات الطقس وعدد الزوار، ما يجعل المهنة قاسية بقدر ما هي مثيرة.

مهنة محفوفة بالمخاطر

ورغم الخبرة الطويلة، يبقى الحاوي في مواجهة دائمة مع الخطر. لدغة واحدة قد تعني نهاية كل شيء. لذلك يعيش الحاوي حالة استعداد دائم، ويعتمد على الحذر أكثر من الجرأة، وعلى المعرفة أكثر من الاستعراض.

كثيرون يرون في الحاوي رجلًا متحديًا للموت، لكنه في الحقيقة محترف يعرف أن البقاء في هذه المهنة مرهون بالانضباط واحترام حدود الخطر.



يظل هذا الفن الشعبي محاطًا بجدل واسع، بين من يعتبره جزءًا من الهوية الثقافية المغربية، ومن يراه ممارسة قاسية على الحيوانات. غير أن الحاوي نفسه يرى في عمله استمرارية لتقليد قديم، وحياة اختارها رغم صعوبتها، محافظًا على صورة ظلت لعقود جزءًا من المشهد الشعبي المغربي.

الحاوي المغربي ليس مجرد مروّض ثعابين، بل محترف يمشي فوق خيط رفيع بين الحياة والموت، يحوّل الخوف إلى فرجة، والخطر إلى عرض، والموسيقى إلى لغة تفاهم مع أكثر الكائنات رهبة. وبين تصفيق الجمهور ونظرات الدهشة، يستمر هذا الفن في فرض حضوره، شاهدًا على قدرة الإنسان على ترويض الخطر… ولو مؤقتًا.

إرسل لصديق

ads
ads

تصويت

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟

هل تتوقع خفض البنك المركزي المصري أسعار الفائدة اليوم؟
ads
ads

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر

ads