اخر الأخبار
السفير: خليل الذوادي

السفير: خليل الذوادي

أول فطور رمضاني مع أمي

الأربعاء 23/مايو/2018 - 01:11 ص
طباعة
رمضان شهر الخير والرحمات، أعاده الله علينا وعليكم باليمن والخير والبركات. 

رمضان في وطنك وبين أهلك وفي حضن أسرتك له طعم يختلف وأنت في الغربة وحيدا، وإن كنت لست غريبا في أي قطر عربي فستجد من بين اصدقائك ومعارفك من يحس بك ويقدم لك الخدمة التي تنشدها، فيعوضك بعض ما يمكن أن تفقده وتحن إليه. لكن لأن الأم تزداد حنينا ولهفة لسماع صوتك وتكحل عينيها برؤيتك وتترقب أي تعليق منك على ما أعدته لك من أطايب الطعام، وهي رغم وجود إخوانك وأخواتك بينها، لكن لأن ذريتها واحدة في نظرها وشعورها، ولأنها توزع حنانها وحبها على أولادها بالتساوي، تفقدك كثيرا إذا لم تكن بين أخواتك وإخوانك ويشدها الحنين، وتقول بملء فيها: أين أنت يا ولدي، كيف يأتي رمضان، وأنت لست بيننا، ولم يكن «زولك» ينور فطورنا الأول مع بداية شهر رمضان الخير؟ 

أسمعت ذلك أم أحمد الحاجة لطيفة بنت حسن صويلح صوتها من منطقة البسيتين بمحافظة المحرق ليصل الصوت واضحا ومؤثرا وصادقا وأمينا إلى ابنها بالقاهرة أحمد إبراهيم المرشد الخبير الإعلامي بجامعة الدول العربية الذي لم يتمالك نفسه من البكاء والتوجع شعورا منه بالشوق والحنين وأحس بمرارة في حلقه ووجد نفسه حائرا لا يستطيع أن يبوح بمكنون ذاته، فكانت ردة فعله الأولى أن حجز تذكرة العودة إلى مملكة البحرين في اليوم الأول من رمضان وكان هذا هو الجواب العملي لالتماس الوالدة العزيزة الغالية، ولعله هو الأقدر أن يروي كيف كان الشعور عندما استقبلته الوالدة بشكل مفاجئ عند «أول فطور رمضاني مع أمي».

شعور الأمومة شيء لا يمكن وصفه أو التعبير عنه بكلمات أو عبارات مهما أتينا من بلاغة القول وجوامع الكلم وحسن الخطاب، فالشعور الدفين في قلب الأم وقلوب أبنائها لا يمكن أن يعادله أي شعور إنساني، رحم الله والدتي «مريم بنت حسن» التي لم يتسن لي النظر إلى وجهها الكريم؛ لأنها فارقت الدنيا قبل أن أفطن فيها أو أرسم صورة لمحياها، لكنني وجدت حنانها وحبها وخصالها وصفاتها في شقيقتها خالتي عائشة بنت حسن أم علي (الله يعطيها الصحة والعافية)، فهي قد عوضتني وجدتي لأمي فاطمة وجدتي لأبي لطيفة يرحمهما الله حنان الأم وعطفها ورعايتها وسهرها، ورحم الله أمهاتكم أعزائي القراء من رحل منهن وأطال الله في أعمار من بقي منهن على قيد الحياة، فنحن لا ننسى حنان الأمهات، لكن المناسبات تذكرنا دائما وتزيدنا تلهفا لتذكر دور الأم في حياتنا، إلى جانب -بلا شك- دور الأب، لنعيش بإذن الله الوفاء لهما ما حيينا.

لقد عبر الشاعر محمود درويش (13 مارس 1941-9 أغسطس 2008) وهو أحد الشعراء الفلسطينيين والعرب المتميزين الذي اتخذ شهرة عالمية، الحائز على جوائز عالمية، عبر بصدق عن شعوره الدفين لأمه وتعلقه بها، وهو وإن كان قد عبر عن شعوره لأمه التي ولدته، لكنه بالضرورة يعبر عن الأم التي ارتبط بها وجدانيا ووطنيا وعقلا وقلبا «فلسطين»، فالأم هي التي أوقضت في محمود درويش الشعور الذي لا بد أن نشاركه الشعور نفسه والحالة نفسها التي عبر بها، حتى أن الفنان الكبير مارسيل خليفة تغنى بهذه القصيدة الرائعة التي يقول فيها محمود درويش ابن فلسطين الأبية:

أحن إلى خبز أمي

وقهوة أمي

ولمسة أمي

وتكبر في الطفولة

يومًا على صدر أمي

وأعشق عمري لأني

إذا متّ أخجل من دمع أمي

ومن منا لا يحن لخبز الأم، خصوصا في هذا الشهر الذي عرفت الأمهات بالتحضير «لخبز الرقاق» الذي يعمل في البيوت من نوعين؛ نوع لأكلة «الثريد» ونوع آخر محلى بالبيض والسكر لتناوله حلويات. فقد كانت الأمهات يتفنن في عمل الخبز وتقديمه إلى أفراد الأسرة، والمرأة الفلسطينية هي من نسيج الأمهات العربيات اللاتي يحرصن على تقديم الوجبات إلى أسرهن بأيديهن وبجهودهن الذاتية.

ونمضي مع قصيدة «أحن إلى خبز أمي» لمحمود درويش فيقول:

خذيني أمي إذا عدت يومًا

وشاحًا لهدبك

وغطي عظامي بعشب

تعمد من طهر كعبك

وشدي وثاقي

بخصلة شعر

بخيط يلوح في ذيل ثوبك

لقد رسم محمود درويش صورة واقعية لدور الأم العربية والفلسطينية وهي الحريصة على أن تكون القريبة من أبنائها وأن تعمل كل شيء لهم بيديها الكريمتين.

إلى أن يقول الشاعر الفلسطيني محمود درويش:

ضعيني.. إذا ما رجعت

وقودًا بتنور نارك يا أمي

وحبل غسيل على سطح دارك

لأني فقدت الوقوف

بدون صلاة نهارك

ويختم القصيدة بقوله:

هرمت.. فردي نجوم الطفولة

حتى أشارك

صغار العصافير

درب الرجوع لعش انتظارك

أمي... أمي.. أمي

ومن منا لا يأمل في عودة الأخوة الفلسطينيين إلى ديارهم وأرضهم وبيوتهم وحواريهم في كل فلسطين، وأن تبقى مدينة القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين الأبية؛ لما تمثله من مكانة مقدسة راسخة في الحضارة العربية والإسلامية والمسيحية، فالمجد والخلود لشهداء فلسطين الأبرار، وحمى الله المسجد الأقصى المبارك من شرور العابثين.

سنظل أوفياء لأمهاتنا ونجدد الذكرى في كل مناسبة دينية أو وطنية نمر بها؛ لأنهن معنا صغرنا أم كبرنا، وسنظل في عيون أمهاتنا صغارا؛ لأننا فعلا نشعر بحنان الأم منذ الطفولة المبكرة، وهذا الشعور يبقى معنا إلى الأبد.

 

وعلى الخير والمحبة نلتقي

إرسل لصديق

ads

تصويت

هل تؤيد تغليظ العقوبة على المتحرشين؟

هل تؤيد تغليظ العقوبة على المتحرشين؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر