صدي العرب
اخر الأخبار
بقلم/حمد العامر الكاتب والمحلل السياسي

بقلم/حمد العامر الكاتب والمحلل السياسي

إيران ودول مجلس التعاون.. تاريخ من التهديدات

الثلاثاء 09/يناير/2018 - 12:29 م
طباعة

عندما قرَّرت بريطانيا في (يناير 1968م) الانسحاب من شرق السويس وتصفية جميع قواعدها العسكرية بسبب عجزها عن الإنفاق على شبكة مصالحها الاستراتيجية والتجارية والترتيبات العسكرية الدفاعية في تلك المنطقة لتأفل شمس الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن أراضيها على امتداد الكرة الأرضية، وجدت إمارات الساحل المتصالح -التي كانت قد وقَّعت على مجموعة من اتفاقيات الصداقة مع بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر- نفسها في مواجهة مباشرة مع الصراعات الدولية والإقليمية التي أحاطت بها من كل جانب.

فانعكست تأثيرات الحرب العراقية الإيرانية على الإمارات المترامية على رمال الخليج الساخنة التي خشيت من امتداد هذه الحرب إلى أراضيها، فكان (الاتحاد التساعي) الذي سقط بسبب التهديدات الإيرانية، ويتأسس بعده (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) في (25 مايو 1981م)، ليشكّل ترجمة واقعية لحالة أمنية خطيرة جدًا على كيانات واستقلال دول الخليج العربي.

كما وجدت الولايات المتحدة الأمريكية أن الانسحاب البريطاني يُشكِّل فراغًا أمنيًا استراتيجيًا يهدِّد شبكة مصالحها الاقتصادية في المنطقة الغنية بالثروات النفطية الهائلة والمتميزة بموقعها الاستراتيجي المتحكِّم في خطوط الملاحة الدولية، والتي كان على دولها أن تدخل لأول مرة عالم الدبلوماسية والعلاقات الدولية المباشرة والمصالح السياسية المتشابكة وتتعامل وجه لوجه مع أطماع القوتين الكبريين في الإقليم (العراق وإيران)؛ لذلك لم يكن ممكنًا أن تترك الولايات المتحدة هذه المنطقة الهامة متاحة لتمدّد النفوذ الشيوعي الذي يهمه كثيرًا الوصول إلى مياه الخليج الدافئة، وهذا ما حدث فعلاً عندما احتلت القوات الروسية أفغانستان في حرب دامت عقدًا كاملاً (ديسمبر 1979م وحتى فبراير 1989م) لتطيح بالنظام الملكي وتقيم نظامًا شيوعيًا يدين بالولاء لموسكو.

ومن هنا قامت الولايات المتحدة بدعم الحكم الإمبراطوري في طهران وملأت الفراغ البريطاني بإنشاء القواعد العسكرية في دول الخليج المستقلة حديثًا وتوقيع الاتفاقيات الأمنية والعسكرية معها لتقف أمام المَدّ الشيوعي في المنطقة كجزء من الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي أو الحرب بالوكالة، كما حدث عندما شاركت القوات الإيرانية في القضاء على ثورة ظفار التي قامت بها (الجبهة الشعبية لتحرير عُمان) التي تحظى بدعم من موسكو.

أما بالنسبة لدول الخليج العربي قبل إنشاء مجلس التعاون فقد شعرت بتهديد استقلالها وسيادتها بعد انكشاف الغطاء الأمني عنها وتزايد قوة وخطر دول شمال الإقليم وهي:

• إيران الشاهنشاهية: التي انقضَّت على الجزر الإماراتية الثلاث وأعلنت فرضها لمنطق القوة في المنطقة، وادَّعت أن البحرين جزء من إمبراطوريتها، ليضاف إلى ذلك نجاح الثورة الخمينية عام (1979م) والتي لم يتوقع الشعب الإيراني معها أنه سيقع تحت طائلة السلطة الاستبدادية التي تديرها مجموعة من رجال الدين وهو الشعب المحب للحياة المدنية والحضارة.

• عراق صدام حسين: بنظامه الأيديولوجي البعثي الذي لم يتوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج من خلال خلاياه المكونة من طلبة العلم الذين يدرسون في الجامعات العراقية ويعملون على التحريض على قلب الأنظمة الخليجية باعتبارها أنظمة رجعية، وهو ما تمارسه إيران حاليًا باستغلال الدين والطائفية لتحقيق نفس الأهداف.

وفي تلك الفترة التاريخية الحسَّاسة تأثرت العلاقات الخليجية الإيرانية بالعديد من الأمور، أهمها:

1. القوة العسكرية الإيرانية (بوليس الخليج)، فقد كان من الضروري إيجاد توازن دقيق بين (العلاقات الخليجية الإيرانية) و(العلاقات الخليجية العراقية) كونهما تشكلان التهديد والهاجس الأمني لدول الخليج؛ لذلك وقفت دول مجلس التعاون في صف العراق خلال (حرب الخليج الأولى) واستغلت ظروفها لإقامة مجلس التعاون، إلا أنها وجدت بأن لها مصالح اقتصادية وسياسية مع إيران كذلك، كإمارة دبي التي أصبحت أثناء الحرب منفذًا مهمًا للاستيراد الإيراني، وسلطنة عُمان التي تثمِّن الدور العسكري الإيراني الذي ساهم في القضاء على الثورة الشيوعية في ظفار في منتصف ستينيات القرن الماضي.

2. استمرار الأطماع التوسعية الإيرانية منذ نجاح الثورة الخمينية، وتنصيب إيران نفسها حامية الشيعة العرب ومراقد الأئمة، والساعية بكل طاقتها وإمكانياتها لتحريرهم من الظلم والتمييز الذي تدّعيه، خصوصًا في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية، واستغلالها الطائفية والادعاء بالمظلومية لمَد نفوذها وسيطرتها على المنطقة، وقيامها بترجمة ذلك بدعم حزب الله اللبناني ونظام بشار الأسد في دمشق والحوثيين في اليمن وحركة حماس في غزة واستغلالها للقدس كورقة مزايدة سياسية في القضية الفلسطينية، وتمويلها وتدريبها للعناصر الشيعية المتطرفة وتقديم الدعم الإعلامي من خلال فضائياتها المنتشرة في كل بقاع الأرض، مما زاد من التوتر وانعدام الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط والخليج العربي.

إلا أنه ورغم محاولات دول مجلس التعاون المتكررة لقيام علاقات صداقة متينة مبنية على أسس الثقة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، استمرت إيران في التآمر وإثارة القلاقل في السعودية والبحرين، ووجدت ضالتها في الموقف الأمريكي خلال فترة ما يسمى بالربيع العربي لتحقيق أهدافها التي أقرها الدستور الإيراني الذي تبنّى نظرية ولاية الفقيه ومبدأ تصدير الثورة لتحقيق الهدف الأكبر وهو بسط النفوذ الشيعي على البلاد العربية بعد تحقيق عدد من الأهداف من أهمها:

• الاعتراف بالدور الإيراني في قيادة المنطقة وتَوَلّي حل أزماتها وتقرير مصيرها، وهذا ما حدا بالعديد من قاداتها الدينيين والسياسيين والعسكريين والبرلمانيين والإعلاميين للإدلاء بتصريحات مستفزة، كتصريح نائب طهران في البرلمان الإيراني (علي رضا زاكاني) المقرب من خامنئي في (سبتمبر 2014م) الذي أعلن أن أربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء تحت القبضة الإيرانية. 

• تثوير الشارع العربي عن طريق التنسيق مع الولايات المتحدة ودولة قطر ومجلس حقوق الإنسان في جنيف وعدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني الأمريكية والأوروبية لإعداد الخطط الكفيلة باستمرار ثورات الربيع العربي، وتقديم الدعم المالي وتدريب العناصر الإرهابية في معسكرات إيرانية مخصصة لهذا الغرض، والضغط على عدد من الدول كالسعودية والبحرين والكويت بإجراء اتصالات على المستويات الحكومية، والعمل على إثارة الطائفية في المجتمعات الخليجية لإشعال الجبهة الداخلية والقيام بأعمال العنف والإرهاب تحت شعارات المظلومية والمطالبة بحماية حقوق الإنسان فيها، وتوجيه حملات إعلامية وإخبارية وعرض التقارير الكاذبة والأفلام الكيدية في الفضائيات العربية وأهمها قناة الجزيرة القطرية والقنوات الإيرانية كقناة العالم والميادين وغيرها. 

إن مسلسل الأزمات الإيرانية المتعمَّدة تجاه دول الخليج طويل ومستمر منذ عقود من الزمن، والسبب الأساس لذلك هو التدخل الإيراني المستفز في الشؤون الداخلية لدول الخليج لتحقيق الأهداف المُعلنة في الدستور، والذي استثمرت معه إيران الاتفاق النووي الموقَّع مع مجموعة (5+1) في (يوليو 2015م) ليمنحها اعترافاً بنظام (ولاية الفقيه) كنظام سياسي مقبول دوليًا ومفروض إقليميًا، ليبلغ السيل الزبى بعد اقتحام مبنى السفارة والقنصلية السعودية في إيران، ويقوم عدد من دول مجلس التعاون والدول العربية بقطع علاقاتها الدبلوماسية كالمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وجمهورية السودان)، وتخفيض دولة الإمارات العربية المتحدة مستوى تمثيلها الدبلوماسي إلى درجة قائم بأعمال، واستدعاء دولة الكويت سفيرها في طهران للتشاور وتسلَّيم سفير إيران لديها مذكرة احتجاج، بينما أعلنت دولة قطر في (أغسطس 2017م) عن عودة سفيرها إلى مقر عمله في طهران، مما يدلّ على عدم التوافق الخليجي على سياسة موحَّدة حول العلاقات مع إيران. 

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

إرسل لصديق

تصويت

هل ستشارك في الانتخابات الرئاسية القادمة 2018

هل ستشارك في الانتخابات الرئاسية القادمة 2018

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر