محافظات
"نحو إستقبال عام جديد بالأمل والعمل والتخطيط وإرادة التغير" خطبة الجمعة بالإسكندرية
الجمعة 05/يناير/2018 - 01:40 م
طباعة
sada-elarab.com/77909
ترأس الشيخ محمد العجمى وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية قافلة دعوية كبيرة بمساجد وسط الإسكندرية بحضور الشيخ حسن عبد البصير عرفة مدير عام الدعوة وعدد من شباب الأئمة والدعاة.
وقال العجمى إن أئمة ودعاة الأوقاف قد التزموا بخطبة الجمعة والتى جاءت تحت عنوان " نحو إستقبال عام جديد بالأمل والعمل والتخطيط وإرادة التغير " وذلك تنفيذا لتوجيهات الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف بضرورة نشر الفكر الوسطى المستنير بجميع المساجد والزوايا فى كل شبر على أرض مصر الغالية.
وقال العجمى من على منبر مسجد العطارين :-
إن العام الجديد يجب علينا أن نستقبله بالأمل والعمل وذلك يأتى بحسن التخطيط ووضع أهداف على مدار العام وهنا يجب أن نعلم أن التخطيط إحدى النعم والمميزات التي وهبها الله تعالى للبشر، وميَّز بها العقل البشري؛ بعض الدول تعتبره علمًا مبتكرًا لم يعرف إلا في عصرنا هذا؛ وهذا غير صحيح فقد جاء القرآن الكريم منذ قرون مضت داعيًا إليه، وضرب لنا أمثلة على ذلك؛ نجد هذا في التخطيط المحكم الذي أنقذ أمة في سورة سيدنا يوسف؛ وكذلك في سورة الكهف نجد ذي القرنين كيف أنه بدقة تخطيطه حول أمة كانت لا تفقه قولًا إلى أمة عاملة تبني سدًّا، وحثنا الرسول على التفكير العقلي المنطقي المسبق قبل الإقدام على العمل، وهو الدعامة التي يقوم عليها أي عمل جديد يحتاج إلى تخطيط مسبق ومنسق، وخطة محكمة بعد التوكل على الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: (اعقلها وتوكَّل), على العاقل أن يتخذ الأسباب ثم يتوكل على الله وقد قال عمر بن الخطاب: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًأ.
فالمسلم يخطط لاستمرارية الحسنات بعد الموت، ويخطط للنجاة يوم القيامة، ويخطط للحفاظ على ما اكتسب من الحسنات.
إن ديننا الإسلامي جاء بتشريعات وعبادات تعيننا على التخطيط لأنشطتنا، وحفظ أوقاتنا، فعلى سبيل المثال أوقات الصلوات الخمس تقسم لنا اليوم والليلة تقسيمًا يتلاءم مع حياة البشر وأعمالهم، فصلاة الفجر وصلاة المغرب تفصلان النهار عن الليل، وصلاة الظهر والعصر تعطينا تجزيئًا للنهار - (أوله، وسطه، آخره) - وصلاة العشاء تقسم بين أول الليل وبقيته، وإذا جئنا نتأمل في أوسع الأوقات بين صلاتين، وجدنا ما بين الفجر والظهر، وهو وقت للإنتاج والعمل، وكذلك ما بين العشاء والفجر، وهو الراحة والنوم.
وتناول العجمى أهم عناصر التخطيط من المنظور الإسلامي النبوي:
1- تحديد الأهداف: في قوله عز وجل: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].
2- تحديد الأولويات: ويتجلَّى ذلك في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث بدأ بأهله قبل غيرهم: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214].
ويتَّضح من خلال وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - عندما بعثه إلى اليمن فبدأ بالأهم فالأهم: (التوحيد - الصلاة - الزكاة).
3- استثمار جميع الموارد المتاحة: يتضح في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15].
4- بذل الأسباب والوسائل المشروعة: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60].
"المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خيرٌ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تَعجِز".
5- تعليق النتائج بمشيئة الله تعالى: وذلك بعد تفريغ الجهد في الأخذ بالأسباب والتوكل على الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: 23 - 24].
6- التوفيق الإلهي: (وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قُل: قدر الله وما شاء فعل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان)؛ مما يدعو إلى التفاؤل والمثابرة والانطلاق بجد وعزيمة لا تعرف اليأس والإحباط.
وبين العجمى كيف أن سيدنا يوسف لم يكتفى بتفسير الرؤيا فقط، ولكنه أرشدهم إلى خطة مستقبلية لمواجهة ما سيمر بهم من شدائد ومجاعات متوقعة؛ وقد أشار إلى طريقة المواجهة الإيجابية وأرشد إلى ما يفيدهم في تفادي السنين؛ ونصح بمواجهة عواقبها ووضع الخطة الملائمة ووضحها، وهي تتلخص في الآتي:
1- ضرورة العمل المتاح وتحديد المدة المطلوبة.
2- ضرورة العمل الزراعي الجاد المتاح في هذا الوقت.
3- ضرورة زيادة الإنتاج.
4- ضرورة الجد والكفاح والدأب وتحديد المدة.
﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾؛ أي: متوالية متتابعة؛ وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان في الرؤيا.
﴿ فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ﴾؛ أي: اتركوه في سنابله؛ لأن هذا يحفظه من السوس، ومن المؤثرات الجوية؛ كالرطوبة، والحرارة، وهنا يبرز أهمية التخزين السليم لحماية الثمار، وضرورة الادخار والاقتصاد، وترْك التبزير والإسراف، فالإسلام دين متوازن يكره ويمقت الشح والبخل، ويُحرِّم الإسراف والتبذير.
﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾: إلا في دائرة الضرورات التي لا يستطيع الإنسان أن يدفعها، وبعد ذلك يرشد إلى وجوب حُسن التصرف فيما ادخروه، ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ [يوسف: 48].
وقد كان من ثمار هذا التدبير والتخطيط من سيدنا يوسف عليه السلام - الذي هداه الله إليه - أن حفظ الأمة من الهلاك، وخلَّصها من الجوع، ونجاها من الشدائد، وعاد الرخاء.
﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾: يغاث الناس بالزرع والماء وتنمو الكروم والحدائق بفضل الله عز وجل للإنسان، حين يأخذ بالأسباب الصحيحة من تخطيط وادخار وعمل وكفاح.
هذه إشارات إلى واقع تخطيطي حفظه لنا القرآن؛ لكي ندرك أن الإسلام لا يقوم على التخمين أو التواكل، ولكنه دين يعتمد على أدق الأساليب وأعمقها في جوانب الإنتاج والاستهلاك والوسائل المادية والبشرية.
وتابع العجمى حديثه قائلا :-
وإذا نظرنا إلى نموذج من نماذج التخطيط النبوي نجد عظمة فى التخطيط فمثلا لما قرر النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة، خطط لها تخطيطًا دقيقًا محكمًا، ويتجلى ذلك في الآتي:
1- اختيار الصديق المناسب، القادر على إنجاح العملية، وكان أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو دور الكبار.
2- تجهيز الوسائل الضرورية قبل الموعد بزمن كاف، لتفادي السرعة والارتباك، الذين قد يحصلا لحظة الهجرة؛ ولذلك جهزت الراحلة قبل الموعد بأربعة أشهر، وبسرية تامة.
3- إتقان دور المخادعة والمخاتلة الحربية، لضمان تحقيق المهمة بغير مفاجآت، كتكليف علي بن أبي طالب بالنوم في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - تمويهًا على المشركين وتخذيلاً لهم، وهذا دور الفتيان الأقوياء.
4- إشراك النساء في إنجاح الهجرة بما يناسب دورهن؛ تقول عائشة - رضي الله عنها - متحدثة عن نفسها وأختها أسماء فجهَّزناهما - أي: الراحلتين - أحث الجهاز - أي: أسرعه -والجهاز ما يحتاج اليه في السفر، وصنعنا لهما سفرة - أي: الزاد الذى يصنع للمسافر - في جراب، فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سُميت ذات النطاقين"؛ البخاري.
5- تخصيص حيز للأطفال لإبراز دورهم في هذا الحدث العظيم، ويمثله دور عبدالله بن أبي بكر، الذي كان يتقصى أخبار قريش، وينقلها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبه وهما في غار ثور.
6- ومن جميل التخطيط، تكليف الراعي عامر بن فهيرة أن يسلك بقطيعه طريق الغار؛ ليزيل آثار الأقدام المؤدية إليه، ثم يسقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه من لبن غنمه.
7- ومن كمال التخطيط أن اتخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن أريقط دليلاً عارفًا بالطريق، ولو كان مشركًا، ما دام مؤتمنًا، متقنًا لعمله، ولذلك أرشدهم - بمهارته - إلى اتخاذ طريق غير الطريق المعهودة.
واختتم العجمى حديثه بقوله :-
ونحن فى بداية عامنا الجديد يجب علينا أن نعلم جيدا أننا جميعا أبناء وطن واحد وكلنا مصريون لابد أن تحمى المساجد وأن نحمى الكنائس فهذا واجب شرعى ووطنى ، وأن من مات منا شهيدًا فى الدفاع عن الكنيسة كمن مات منا شهيدًا فى الدفاع عن المسجد.
فهذا يعد ترسيخا لمفاهيم المواطنة المتكافئة وإعلاء قيمة المواطنة، والعمل على وحدة الصف فى مواجهة التحديات، ولا سيما تحديات الإرهاب الذى يستهدفنا جميعًا لا فرق بين مسلم ومسيحى، أو بعبارة أدق لا فرق بين مصرى ومصرى فالجميع أبناء وطن واحد لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات، فحماية الوطن بكل مفرداته ومواجهة الإرهاب الغاشم وكشفه والقضاء عليه واجبنا جميعًا مجتمعين متحدين.










