اخر الأخبار
أحمد المرشد

أحمد المرشد

الأغنيات ما هي سوي قصة حب خالدة ورحلة عمر بين طرفين يجهلها الجمهور

الجمعة 09/أغسطس/2019 - 09:43 م
طباعة
بعد التحية والسلام والتهنئة بيوم عرفات أفضل أيام العام عند المولي عز وجل، أعود اليوم مجددا الي الكلمة، فالكلمة هي البداية والمنتهي، وبعد أن بدأنا بالأغاني الوطنية التي لا تزال الشعوب ترددها حتي يومنا هذا، نجدد اليوم العهد ونكتب عن حكايات وقصص الأغاني التي تداعب عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، فكثير من الأغنيات التي نسمعها لم تكن مجرد رحلة تعاون عشوائية بين مؤلف ومطرب وملحن، وربما كانت بداية الرحلة مؤلمة أو حزينة أو شاقة أو ذكري أليمة مر بها أحد أطراف الرحلة، ليشارك الثلاثي في اخراج هذه الرحلة في صورة أغنية للجمهور  ليتمايل مع اللحن والطرب ولكنه لا يعلم شيئا عن آلامها. فكثير من الأغنيات ما هي سوي قصة أو حكاية حب خالدة، لتكون "آهة" المطرب والمطربة تجسيدا حيا لتلك الذكري سواء أليمة أو سعيدة، فعظمة الأغنية ما هي سوي لكلمات عبرت عن حالة الموقف  الذي تدور في فلكه الأغنية والقصيدة لتعيش خالدة في الذاكرة بجرحها وألمها وشجنها ولكنها تظل جميلة، خفيفة علي الآذن الموسيقية حتي لو احترقت القلوب والصدور بسماعها من فرط لوعة وجمال واحاسيس كلماتها والنغمة اللحنية لموسيقاها.. فالأغنية هنا هي قصة تربط الماضي بالحاضر، لتسطر كلماتها  وايقاعها حينئذ ميراثا متجددا للأجيال، فبعد أن كانت تجسيدا حيا لذكري في الماضي تعود لتحمل نفس الذكريات من آهات ودموع لنا، خاصة إذا كانت الأغنية أو الأغاني كانت قصة حملت كلمات مؤثرة اغرورقت معها العيون بالدموع والقلب بالآهات والجسد بالتمايل.

 

الحكايات والقصص كثيرة ولا تقتصر علي مطرب ومطربة، بل ربما كانت من نصيب الجميع بما فيهم المؤلفون والملحنون، أو حتي قصة شخص قريب من هذا الثالوث، ونبدأ بسيدة الغناء العربي أم كلثوم التي أرهقت شاعرها المفضل أحمد رامي الذي أحبها وتعذب بغرامها ولكنه عاش بحبه بعيدا عن النجمة العالية في السماء حتي لا تنطفئ إذا تزوجها أو اقترنت بقصة حب معه. ومن أروع ما كتب رامي لأم كلثوم أغنية "هجرتك" فهي حالة من الوجد والغرام والحب العذري من طرف واحد، تنتهي بقرار الهجران بسياق وجداني رائع معتمدا علي تذكيرنا بعنصر النسيان ليرتاح من حبه الذي أرهقه، فيقول في "هجرتك" شاكيا حاله لنا وعلي لسان حبيبته:

 

هجرتك يمكن أنسى هواك \وودّع قلبك القاسي

وقلت أقدر في يوم أسلاك \وأفضّى من الهوى كاسي

لقيت روحي في عزّ جفاك \بفكّر فيك ونا ناسي

 

وبينما يتحرق قلب رامي حبا نراه يواصل رحلة الهجران ليقسو علي نفسه ولكن بلا جدوي، فالحب تقدم به  ليجري في دمه:

غصبْت روحي على الهجران \وأنت هواك يجري في دمّي

وفضلْت أفكّر في النسيان \لمّا بقى النسيان همّي!

 

الحال العاطفية التي بلغها رامي جعلته مترنحا  بين اليقين والحيرة حتي أنه أصبح يعيش هائما لدرجة أنه يخاطب روحه أن تنسي النسيان، وهي حالة نادرة من الوجد لم يصل لها غيره ليبالغ في تصويرها بكلمات قليلة ولكنها غاية في التعبير يقول فيها:

وصبحت بين عقلي وقلبي \تـايــه حـيــران

أقول لروحي من غُلْبى \أنـسـى الـنسـيان!

 

وبين الهجر والهجران كان لقاء رامي مع أم كلثوم ليعبر عن حبه مرة أخري في "حيرت قلبي معاك"، لتكون واحدة من أكثر من 136 عملا غنائيا كتبها رامي ليعبر خلالها عن مدى حبه لأم كلثوم، ومنها أيضا "الصب تفضحه عيونه"، لتتنوع الأعمال ما بين الحب والخصام والهجر والغيرة والشكوى مجسدة في أغنية  "يا اللي انحرمت الحنان"، لتشكل أشعار رامي نصف ما غنت أم كلثوم تقريبا من أغانٍ، وأما النصف الأخر فان رامي هو من راجعها وربما عدل في بعض كلماتها لتناسب صوتها وأدائها. ويعترف رامي بأن أشعاره توهجت بعذوبة صوت أم كلثوم، حتي أنه توقف عن كتابة الشعر بعد وفاتها مباشرة في فبراير 1975، وظل على موقفه إلى أن فارق الحياة في يونيو1981.

 

ورغم حالة الحب الكبير التي ربطت رامي بأم كلثوم من طرف واحد، إلا أنه  لم يطلب منها الزواج مطلقا، ليعترف لابنه بأنه لو تزوجها سيكون الزواج سببا في اعتزالها الغناء لأنه رجل شرقي، ولن يسمح لها بالغناء، ولم يكن يستطيع وقتها أن يكتب في إحدي أغانيه  "سهران لوحدي أناجي طيفك الساري"، وكذلك لن يضيف لمكتبتنا الغنائية أغنية "يا مسهرني" ببدايتها "ما خطرتش على بالك يوم تسأل عني يا مسهرني".

 

ومن رامي وأم كلثوم الي قصة حب أخري عرفت حينذاك بأنها ملتهبة، بطلاها بليغ حمدي ووردة، فبليغ كتب بأشواقه الحارة كلمات أغنية "بودعك" من باريس حيث كانت منفاه الاجباري من واقعة مؤلمة مر بها بمصر عقب انتحار فنانة مغربية من شرفة منزله بعد نهاية سهرة ضمت بعض الفنانين وغيرهم في شقته، فاضطر للهروب الي فرنسا للاقامة هناك، وحينها تدهورت صحته بعيدا عن حبه الأكبر – وردة- فأرسل يودعها بأغنية "بودعك". ومن فرط ولع بليغ بحبه الوحيد رغم كثرة الشائعات عن غرامياته المتكررة، خرجت من قلبه كلمات موحية تعبر عن هذا الحب الكبير فبدأ الأغنية بكلمة "بودعك" وتقول:

 

بودعك\بودعك وبودع الدنيا معك\جرحتني   قتلتني \غفرت لك قسوتك  \بودعك من غير سلام \ولا ملام  ولا كلمة مني تجرحك  \أنا .. أنا .. أنا أجرحك \بسم الآلام   ارحل قوام\حبي الكبير  ح يحرسك في سكتك.

 

بودعك.. ودع مُحباً ودعك قبل الأوان\بودعك .. كلمني مشتاق أسمعك من زمان\بودعك..بشوق لــ لمسة من يدك لمسة وداع\ما أبخلك\بكرهك  لأ .. بعشقك \يا عمري راح وجه الرياح\يا قلب دافي بعشرتك \ أنا رحلتك \وأنا الزمان رغم الجراح \حبي الكبير ح يحرسك بسكتك.

 

و إستنناك أنا والليالي بشوق ولهفة لصوت خطاك\إستنناك بخوف يساوي فرحة لقاك\ويا ريتك غلطت ليلتها  وجيت \الكل أفتكره وأنت نسيت\كتبتلك  زي الليلة دي في يوم ميلادي \غنوه لك  تفكرك بموعدك\أسمعك غنوتك  \سنة حلوة   يا سعيد و دموعي في العيد \ و أنا عمري  ما نسيت لك في الغربة عيد \بودعك بصمت مُر أنا ضيف ومَر \عطشان سقيته   محبتك   ما أكرهك.

 

ويأتي الدور الآن علي قصة حب وعشق أخري بطلاها عبد الحليم حافظ وسعاد حسني، وجميع النقاد المصريين تقريبا اتفقوا علي وجود هذا الحب الجارف الذي جمع بين قلبي نجمي الطرب والتمثيل في أوج شهرتهما، ورغم اتفاق الجميع علي هذا الحب فقد اختلفوا علي قصة زواج حليم وسعاد، واستند هنا الي شهادة الكاتب الصحفي مصطفي أمين التي أثق بها بأن النجمين لم يتزوجا وهذا هو سر الحب الكبير، فالزواج في حياة الفنانين يطفئ حالة الحب المتوهجة التي تجمع بين كل نجمين لحين الزواج الذي يخلق غيرة الزوج علي زوجته والعكس. وتنطبق قصة  حب حليم وسعاد علي قصيدة "قارئة الفنجان" للمبدع نزار قباني وكتبها بناء علي توصية من سعاد حسني بعد اطلاعه علي سر حبها لحليم، وقد أفضت سعاد لنزار قباني بقصة حبها لشاب في بداية عملها بالفن ووثقت به جدا وهو الذي كان  يخدعها من أجل تسهيل عملية تجنيدها كعميلة في المخابرات المصرية ليكون دورها الإيقاع بأي شخص يريدون الصاق أي تهمة له، وتم ابتزاز سعاد حسني ببعض الصور التي التقطت لها خلسة مع هذا الشاب، حتي علم عبد الحليم بهذه القصة التي لم تكن لسعاد أي دخل بها وإنما كانت هي نفسها مخدوعة، ثم كتب نزار قباني  "قارئة الفنجان"  بعد قص حليم لصديقه نزار تفسير ضاربة الودع مرجانه وتنبؤاتها لمسار الحب بينه وبين سعاد  والتي ابدع القول  في منتصفها:

 

بحياتك يا ولدي امرأةٌ\عيناها سبحان المعبود\فمهامرسومٌ كالعنقود\ضحكتها موسيقى وورود\لكن سماءك ممطرةٌ\وطريقك مسدودٌ.. مسدود\فحبيبة قلبك.. يا ولدي \نائمةٌ في قصرٍ مرصود \والقصر كبيرٌ يا \ولدي\وكلابٌ تحرسه.. وجنود \وأميرة قلبك نائمةٌ\من يدخل حجرتها مفقود\من يطلب يدها.. \من يدنو من سور حديقتها\مفقود \من حاول فك ضفائرها.. يا ولدي.. مفقودٌ.. مفقود

 

أدركت سعاد حسني صعوبة زواجها من حليم فقررت الابتعاد عنه  حماية له من بطش السلطة،  وقد   طلب حليم من نزار حذف بعض الكلمات الصعبة التي قد تودي به وسعاد الي المجهول كجملة "فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود والقصر كبير يا ولدي وكلاب تحرسه وجنود" وتم الاكتفاء بـ"فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصر مرصود". وتكشف سعاد حسني سر استفزاز بعض الجمهور لحليم في بداية حفله لغناء "قارئة الفنجان" إذ تواجد بعض الأشخاص المأجورين للتشويش والصفير لإزعاج حليم وهو يغني القصيدة الصعبة مما جعله ينفعل بشدة في أخر حفل له علي الهواء في عيد ربيع عام 1976بعد اطلاق هؤلاء هتافات لا تليق بجو المسرح والحفل الذي ينتظره الجمهور من العام للعام.. وقد لاقت الأغنية نجاحا كبيرا خاصة وأن حليم أداها بأحاسيس مرهفة يقينا منه أنها تجسد قصة حبه وسعاد حسني، وارتفع إحساسه مع المقطع التالي:

 

بصرت.. ونجمت كثيراً \لكني.. لم أقرأ أبداً \فنجاناً يشبه فنجانك \لم أعرف أبداً يا ولدي\أحزاناً تشبه أحزانك \مقدورك.. أن تمشي أبداً\في الحب .. على حد الخنجر\وتظل وحيداً كالأصداف \وتظل حزيناً كالصفصاف \مقدورك أن تمضي أبداً\في بحر الحب بغير قلوع \وتحب ملايين المرات \وترجع كالملك المخلوع.

 

لقد بدأنا بأم كلثوم وبها نختم بـ"ياليلة العيد" بمناسبة عيد الأضحي المبارك، وتعد من أجمل أغاني العيد بكلماتها العذبة التي تبث الأمل والفرحة:

 

يا ليلة العيد أنستينا و جددت الأمل فينا يا ليلة العيد

هلالك هلل عينينا فرحنا له وغنينا

و قلنا السعد حا يجينا على قدومك يا ليلة العيد

جمعت الأنس ع الخلان و دار الكأس ع الندمان

وغنى الطير على الأغصان

يحيي الفجر ليلة العيد

حبيبي مركبه تجرى وروحي بالنسيم تسرى

قولوا له يا جميل بدري حرام النوم في ليلة العيد

يا نور العين يا غالى يا شاغل مهجتي وبالى

تعال اعطف على حالي وهني القلب ليلة العيد

 

قبل الأخير...

وبمناسبة وقفة عرفات اليوم وعيد الأضحي غدا..أتقدم  الي المقام السامي  لحضرة صاحب الجلالة الملك  حمد بن عيسي آل خليفة عاهل البلاد المفدي حفظه الله ورعاه وصاحب السمو الملكي الأميرخليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء المؤقر   و صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الامين    ولشعب البحرين الوفي  العزيز والأمتين العربية والإسلامية بارق التهاني والأماني بالخير والعزة والرفعة .. 

جعل الله فجر أيام العيد نورا، وظهرها سرورا، وعصرها استبشارا، ومغربها وعشائها غفرانا، وجعل لكم دعوة لا ترد، ووهبكم رزقا لا يعد، وفتح لكم بابا في الجنة لا يسد.. مبارك العيد وتقبل الله منا ومنكم.



أحمد المرشد

كاتب ومحلل سياسي بحريني



إرسل لصديق

ads

تصويت

هل سينجح حسام البدري فى القيادة الفنية للمنتخب؟

هل سينجح حسام البدري فى القيادة الفنية للمنتخب؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر