اخر الأخبار
أحمد المرشد

أحمد المرشد

عبد الحليم .. صوت الحب والثورة وشعلة الأوطان

الجمعة 06/أبريل/2018 - 06:47 م
طباعة

ربما لم يعش العندليب الراحل عبد الحليم حافظ حالة حب واحدة رغم الأقاويل الكثيرة التي تقول إنه عاش أكثر من حالة حب، إلا أنه وبعد 41 عاما علي رحيله، يظل عبد الحليم أو "حليم" كما أحب هو هذا الاسم من أصدقائه ومحبيه،  متربعا في قلوب العشاق، فلا يوجد عاشق سواء في جيله أو الأجيال التي جاءت بعده يعيش قصة حبه بدون الاستماع لأغانيه التي أذابت قلوبا وأرواحا. فحليم الذي غني للحب ولمصر والوطن العربي، كان إنسانا محبا للحب نفسه ولمصره ووطنه الأكبر، فلم ولن ينساه الجميع.

 ولكننا ونحن نعيش ذكري رحيله  كنا نتمني أن يكون حليم معنا وانا شخصيا  تمنيت أن أعيش عصر حليم وانا  أقيم في هذا البلد.. بلد عبد الحليم   مصر العروبة هذا البلد الذي علمنا مفردات  الحياة الجميلة في تذوق الجمال والطبيعة والحب والبطولات والسحر  الرباني في نيل مصر وفجرها الرائع وشمس الاصيل في غروبها الجميل  اواشياء ..واشياء  لأكون معه في أي مكان يعيش فيه أو ينتقل إليه، تمنيت أن أعايشه لحظات ابداعاته وقراءته أبيات الشعر الجديدة وكيف يختار منها أروعه ليغني لنا أعذبه وأشجنه، فكانت أغانيه وقصائده تتسم بالتنوع، ومع تنوعها أحبها الجميع وحفظها عن ظهر قلب، فكان جمهوره يخرج من حفلاته يردد كلماته، لتنتشر في كل مكان، حتي أفلامه لم تكن أقل حظا من أغانيه، فيخرج جمهور السينما وهو يحفظ تماما كل أغاني الفيلم. ومن هنا كان حليم نجم الشباب والكبار، وقاهر قلوب العذاري، فأحبته بنات جيله من مصر والوطن العربي، ولم تكن فتيات البلدان الأوروبية من أصول عربية أقل عشقا له، فترددت حكايات كثيرة عن وقوع الكثيرات في هواه وحبه ويتهافتن علي رؤيته والاقتراب منه بمجرد علمهن بأنه موجود في هذه العاصمة أو غيرها. وقد شهدت العاصمة الفرنسية باريس أكثر من قصة حب ترددت هناك عن وقوع فتاة في حبه، ولكنه وكما يروي المقربون منه فكان يحافظ علي شعرة معاوية مع الجميع، لا يرفض ولا يتمادي، فيترك البنات يقعن في حبه، ويقف هو محايدا ربما مستغلا نجوميته والخوف علي هذه النجومية أن تضيع لو عرف جمهوره العريض من النساء إنه تزوج او أحب.. فقد كان يحافظ بقوة علي شكله العام ولم يتنازل عن الصورة  التي وضع نفسه بها. حتي عندما شاعت قصة حبه للنجمة زبيدة ثروت بطلة فيلم "يوم من عمري"  لتنتشر في وسائل الإعلام وقتها، ثم تشيع هي أنه تقدم لخطبتها إلا أن عائلتها رفضته بسبب عمله كمطرب وأنه لا يليق بحسبها ونسبها، فما كان من حليم إلا أن أوعز لابن شقيقه نفي قصة الحب جملة وتفصيلا، بل أشاع هو أن هذه القصة مختلقة وكانت مجرد دعاية مجانية لفيلم "يوم من عمري" قبل عرضه بالسينما.

نفهم من هذه القصة، أن حليم كان شديد الذكاء ويعمل لنجوميته ألف حساب، ولم يتردد لحظة في دعم هذه النجومية، ولهذا يروون عنه أنه كان يحتفظ بأسماء صحفيين كثيرين في أجندة تلفوناته آنذاك، ليفاجأ الواحد منهم علي سبيل المثال بمكالمة تلفونية من حليم يطمئن علي ابنه المريض وأنه مستعد لتقديم أي مساعدة له. فقد كان حليم إنسانا مجاملا محبا لأصدقائه والمقربين منه، ولم يرفض أبدا مد يد العون لأي إنسان، فكان قلبه طيبا للغاية مثلما كان يغني، فهو لم يمثل الطيبة والحنان، خاصة الحنان الذي افتقده وهو طفل صغير، ليجد في شبابه كل مصر تحبه وتشعره بالقرب منه.

لقد تنوعت أغاني وقصائد حليم، ولم تقتصر علي الغراميات والحب الملتهب، فكانت أغانيه عن النجاح وأعياد الميلاد، فنتذكر له أغنية "الناجح يرفع أيده" كانت أيقونة في كل بيت مصري بل وعربي لحظة إعلان نتائج الامتحانات، حتي إن الإذاعات العربية كانت تبثها تلقائيا وقت إعلان نتائج الشهادات. وكذلك الحال أغنية "عقبالك يوم ميلادك" فكانت الأغنية الرسمية لكل حفلات أعياد الميلاد حتي وقت قريب، فلم يخل حفل بدون تشغيلها وترديد جميع المدعوين لها.

فعبد الحليم لم يكن مجرد مطربا عاطفيا فقط،  ولكنه كان جملة من العواطف، فكان وطنيا مفعما بحب بلده وزعيمها جمال عبد الناصر، فجسد مع الثلاثي صلاح جاهين الشاعر الكبير، وكمال الطويل الملحن المبدع،  نموذجا وطنيا مصريا خالصا، ليقدموا أروع الأغاني الوطنية، حتي قيل أنه لولا أغاني عبد الحليم الوطنية لما نجح مشروع جمال عبد الناصر في مصر والوطن العربي وإفريقيا بل والعالم أجمع. فمن حظوظ ناصر أنه عاصر فنانا مبدعا وثوريا مثل حليم، فهو  ظهر مع الثورة وغنى لها ولم تفته مناسبة لمصر إلا وغنى لها، كانت مصر هي نبض قلبه التي  يتغنى بحبها، وغني للاشتراكية والفلاح والسد العالي والحرب والنصر واعادة افتتاح قناة السويس، وكانت أغانيه مثل الرصاص تشعل حماس المصريين والعرب معا. ولم تكن ثورية عبد الحليم عفوية أو وليدة اللحظة، ولكنه عاش ثورة يوليو بقلبه وكيانه ودمه، واندمح مع روح زعيمها جمال عبد الناصر بكلمات جاهين وموسيقي كمال الطويل، حتي أن الجميع حفظ هذه الأغاني أيضا ليظلوا يرددونها حتي يومنا هذا، بل إنني اعتقد ان أوطاننا في وقتنا الراهن تفتقر لمثل هذه الأغاني الوطنية المفعمة بالروح الثورية والتي كانت تحرك الجبال الساكنة .

لقد كان حليم شمعة أضاءت طريق الحب لكل عاشق وعاشقة، فأحبه الجميع، وهو الذي كان يضحي بصحته من أجل إسعاد عشاقه وجمهوره الواسع، فكان مثالا للشخصية الوفية لمحبيه والإخلاص لهم.. فكان خير معبرا عن أمانيهم وحياتهم اليومية وحبهم وحزنهم وأفراحهم وحتي أعياد ميلادهم كما أسلفت، وجسد في وقته عدة أجيال في وقت واحد، الشباب والكبار. وعندما توفي قالوا عن حليم إنه  النغم الذي اختنق في حلقه ومات، كناية عن حبه الشديد لفنه، ولكن موته لم يدفن أغانيه معه، بل زادت مبيعاتها حتي سجلت الأعلي في التاريخ، لأنه مثل الرسام الذي تتضاعف قيمة لوحاته عندما يرحل عن عالمنا، وكذلك الأديب الذي تزداد شهرته بعد رحيله ليصف القراء كلماته بـ"القدسية". هكذا الفنان عبد الحليم حافظ الذي مات وأصبح صوته الأغلي، لأنه صوت لن يتكرر ليحيا حليم  عندليبا خالدا، لقد مات وذهبت حنجرته ولكن ظلت  كلماته وآهاته وأغانيه، فالنغم باق معنا دائما عبر الزمان والمكان والأجيال.

وكما اعتدت في  كتاباتي عن سيدة الشرق أم كلثوم أن استشهد ببعض أغانيها عندما اتحدث عنها، فلا يفوتني هنا كلمات قصيدة "لقاء" الرائعة التي غناها من كلمات صلاح عبد الصبور وتلحين كمال الطويل، فهي تمثل حالة وجد وعشق خاص بعد عامين من الفراق، فهي تقترب من أغاني كلثوم عن الذكريات واسترجاع الحب القديم، ولكن الاختلاف هنا هو صوت وروح عبد الحليم وهو يعود الي هذه الذكري بعد عامين من الغياب:

بعد عامين التقيناها هنا.. والدجى يغمر وجه المورد

وشربنا النور يخبو حولنا.. وسبحنا فى هلال الموكب

وانتبهنا فتبعنا ظلنا.. دمعنا ينطق واللحظ رضى

آه لو تدرين ما أكتم في دمي.. يا واحة المفترق

كانت الذكرى عزائي زمنا ..يوم فارقت زماني نفحات

كنت أودع قلبي الشجنا.. أتعزى في ليال ذكريات

وتعللت بفجر قد دنى.. يطلع الشمس نور سمات

ثم هنا نحن التقينا ها هنا.. والدجى يغمر وجه المورد

لست أنساك غراما في دمي.. ومنى عمري وآمل وجدي

وصباحا نام في المبتسم ..وشعاعا فتنة المتقد

يا غرامي في الطريق المظلم.. يا غرامي خالدا للأبد

في عيوني فرحة مشرقة.. والدجى يغمر وجه المورد 

لم يرحل عبد الحليم، فكلنا نمتلك روحه وأغانيه، ولكننا عشقنا حبيباته ونجماته في الأفلام التي مثلها، وكلنا غنينا "أندم لو حبيت وقسيت وأندم لو عمري ما حبيت..خايف أني أحب، وخايف ينسي الحب يوم يقابلني، وخايف أجرب وخايف أهرب، خايف أقرب يبعد عني". ولكنه الحب، هو عبد الحليم، هو الثورة والنصر والأرض والسلاح، وهو أيضا عيد الميلاد، وهو الموعود دائما بالعذاب، وهي الأغنية التي جسد فيها حياته وغناها بقلبه وليس لسانه.



احمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني
amurshed2030@gmail.com

إرسل لصديق

تصويت

هل نجحت وزارة الإسكان في توفير السكن الاجتماعي

هل نجحت وزارة الإسكان في توفير السكن الاجتماعي

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر