صدي العرب
اخر الأخبار
أحمد المرشد

أحمد المرشد

أم كلثوم.. المتربعة على عرش قلوبنا والفرق بين الثري والثريا

الجمعة 09/فبراير/2018 - 08:12 م
طباعة

عندما كتبت عن الإرهاب الأسبوع الماضي نويت استكمال سلسلة أخري عن التطرف ولكن عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسبب قراراته "الغير موزونة  والموتورة " حيال القضايا العربية ومنها بالتحديد القضية الفلسطينية وقراره نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب الي القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل، ولكني تراجعت عن الكتابة في هذا الموضوع، لم يكن مبعث تراجعي سياسيا بل أمرا آخر وجدته أكثر أهمية من ترامب بقراراته المتناقضة، فقد حلت الذكري الـ٤٣ لرحيل سيدة الغناء العربي عن عالمنا، وبما أنني من عشاقها، فتخليت عن الكتابة عن جنون  الرئيس الامريكي وارتا يت ان اكتب عن ام كلثوم فمن حق أم كلثوم علينا أن نحتفي بذكراها وهي الإنسانة التي لن تغيب عن ذكرانا، أما ترامب فمشاكله وأزماته لن تنتهي، فهويترنح داخل بلاده من كثرة خلافاته  وأخرها خلافه الشديد مع أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس النواب الذين لم يصفقون لكلمته أثناء إلقائه لها ووصفه لهم بـ"الخونة"..

كما أننا إذا كنا عولنا علي الرئيس الأمريكي في إنصاف قضايانا العربية نظرا للحفاوة التي استقبلناه بها في السعودية، فأجدني حاليا أنه شخص لا يستحق الكتابة عنه في الوقت الراهن، وهو لن يغير قراره بشأن القدس نتيجة كتاباتنا أو توبيخنا لكل ما يصرح به من "......."، ولهذا سأواصل حديثي عن سيدة الغناء العربي أم كلثوم. فهناك بالتأكيد فرق بين الثري والثريا ..

فأم كلثوم لا تزال  تتربع علي عرش الغناء العربى بلا منافس رغم مرور 43 عاما على رحيلها، نعم لم ينازعها حتي الآن أيا من  مئات من الأصوات الي ظهرت فى مصر والوطن  العربى، فلم يستطع أي مطرب  أو مطربة أن ينتزع اللقب من أم كلثوم . فقد قدمت "الست" علي مدي عمرها الفني الذي يقترب من نصف قرن تقريبا مئات الأعمال الغنائية من قصائد وأغان لا تزال تعيش في وجداننا حتي يومنا هذا.

 ليس هذا فقط، فأغاني أم كلثوم تعيش فينا وتؤثر في مشاعرنا وتحرك أحاسيسنا، فعشنا فيها حبا وغراما وعشقا، ولن أكرر ما كتبته مرارا من أن أغاني أم كلثوم علمتنا الحب حتي وأن كانت تغني للهجر والهجران، فهي كانت تحب وتبث في قلوبنا معاني الحب، فخلقت فينا حالة من النشوي والبهجة.

 فهي بهجة الماضي والحاضر والمستقبل وروح الأمل فينا، فلا استطيع أنا أو غيري أن نقول إنها تنتمي للماضي، فهي حاضرة معنا اليوم وتعيش معنا اللحظة الراهنة بكل تجلياتها وآهاتها، وهي تتخطي التاريخ لتمر عبر سنواته الي المستقبل، إنها أم كلثوم عابرة الأزمنة والحدود.

ومن لم يتذكر كل أغانيها العاطفية وحتي عندما غنت لمصر والوطن العربي كانت مطربة فوق العادة، فكل أعمالها تتحدث عن نفسها وستبقي كما يقول المصريون  بقاء الأهرامات وتاريخهم العريق، فهي خالدة مثل نهر النيل، ولم لا؟.. فالمصريون يعتبرونها نهرا متدفقا من الحب، فليس بالماء وحده يعيش المرء. فنيل مصر يروي ظمأ المصريين علي مر الدهر، وهي تروي قلوبنا مدي الحياة، فهي حالة من الإبداع اللامتناهي، إبداع مستمر معنا لم يصل له سواها.

وحتي لا يعاتبني البعض بأنني قاسي علي ما أتانا بعد أم كلثوم من مطربين رجال وسيدات، فأنا اعترف بأنني استمع لكل الأصوات منذ رحيلها، ولكن أين هي عبقرية هذه السيدة العظيمة التي دخلت بيت كل مصري وعربي وتسللت له عبر المذياع قديما حتي ظهر التلفزيون، ولا اجافي الحقيقة إذا قلت أنها تسيطر علي عالم السوشيال ميديا وهو العالم الخاص  بالشباب، فمن يلقي نظرة علي سبيل المثال علي "اليوتيوب" سيجد أغانيها تحصد ملايين المشاهدات والإعجاب.

لم تغلق أم كلثوم الباب أمام الأصوات الشابة ولكنها شجعتهم، فهي حفرت في جيلها وما تبعه من أجيال حتي يومنا هذا منطق الحب والحياة وقد استفاد كل من جاء بعدها بهذا المنطق،  ولكن هذه السيدة العظيمة لا تزال تحتفظ بعبقرية  كتبت باسم عبقرية "أم كلثوم"، فرغم أصولها الريفية فهي اكتسبت ثقافة نادرة مكنتها من  حسن انتقائها لقصائدها وأغانيها.. ولكن لا ننكر أن عصر أم كلثوم كان زاخرا بشعراء وملحنين عظام، شكلوا جميعا حلقة فنية نادرة الحدوث. فمن أين نآتي حاليا بملحنين مثل  أبو العلا محمد ورياض السنباطي و زكريا أحمد ومحمد  عبدالوهاب وبليغ حمدي والقصبجي ومحمد الموجى و سيد مكاوى؟..وأين العظام أحمد شوقي و أحمد رامى وأحمد شفيق كامل  وعبدالفتاح مصطفى وعبدالمنعم السباعى وعبدالوهاب محمد وكامل الشناوى ومأمون الشناوى وإبراهيم ناجي وعبد الله الفيصل  ومحمد إقبال ومحمد يونس القاضى؟.. وأين محمود حسن إسماعيل وحافظ إبراهيم  ومرسى جميل عزيز وبيرم التونسى وجورج جرداق؟ .. وبغض النظر عن الشعراء والملحنين العظام، فقد صنعت أم كلثوم مناخا غنائيا سخيا حولها، لتتربع متفردة  على عرش الغناء العربى فى الماضى والحاضر والمستقبل.. وربما نتحدث عن سحر شخصيتها، فهي لا تزال متفردة وخلاقة حتي بعد ٤٣ عاما علي رحيلها عن دنيانا ولكنها ساكنة فينا أبد الدهر، وحتي  لا نظلمها سنقول إنها بلغت مكانة لم يبلغها سواها حتي وإن كنا لا نقدسها  حتي لا يتهمنا أحد بالزندقة في عصر يكثر فيه الإرهابيون والتكفيريون، فوقتها لم نشهد مثل هذه الأجواء الملبدة وكل جماعة تكفر الأخري..فهي "الأيقونة" التي جمعت العرب وزعماءهم علي قلب سيدة واحدة، فصوتها يمر عبر كل أرجاء الوطن العربي بلا حدود وهمية، فقد كسرت الحواجز والحدود، كما تخطت العصور والأجيال لتكون بحق الأسطورة والأيقونة الدائمة.

فقد كانت السيدة أم كلثوم العلامة الأبرز في الصحافة المصرية والعربية رغم ما كانت تموج به بلدان الوطن في عصرها، فهي عاصرت عهود الاحتلال والاستقلال والنصر والهزيمة ثم النصر، وكانت أخبارها تجمع كل أبناء الوطن العربي رغم الخلافات الكبيرة والمتباينة  التي اعترضت طريق الزعماء، فقد كانت بحق "الخبر" الأهم للصحف والمجلات والخبر الأبرز للإذاعات والتلفزيونات .

لقد اعتدت في كل كتاباتي عن أم كلثوم أن استعين بإحدي أغانيها أو قصائدها، وكانت السلسلة الأخيرة عن الذكريات، كل هذا لأعيش معها وبها، فهي اخترعت قانونا خاص بها مع جمهورها لتتربع علي قلبه وعقله وفكره ووجدانه، وعممت صوتها علي الجميع، ولم تخضع لسلطة أو نظام وهي التهمة  التي حاول غلمان كل الأنظمة أن يلصقونها بسيدة الغناء العربي، ليبرأها جمهورها من كل حدب وصوب، فهي صاحبة العصمة، القوية، صاحبة أقوي حنجرة أنثوية في التاريخ، وملكت قلب  الفقير والغني، البسيط وصاحب السلطة والحظوة، فهي مثل مياه نهر النيل ملك الجميع، تمتلك قلوبهم جميعا، بكلمة منها وآهه تتنهد بها ، فعاشت عصرها مدللة وبعد وفاتها أسطورة ، فهي لا تغادر ذاكرتنا، استقرت فيها وتربعت، فملكت القلوب واستوطنت فيها بعد أن وهبتنا نتاج  أغلي حنجرة، أحبتنا فأحببناه وبادلناها حبا بحب، فنسجت علاقة خاصة أو معادلة متفردة باسمها مع الجمهور، هي تغني وتلهب عواطفنا بكلماتها وصوتها وآهاتها لتمتعنا، وليكون  التصفيق المكون الآخر من المعادلة الكلثومية، وليكون هذا التصفيق هو الطرب بالنسبة لها الذي يشجيها عبر آذانها لتحوله لنا صوتا ملائكيا وآهات شجية.

لقد عاشت أم كلثوم تجربة طربية وغنائية مليئة بالمحن والأشجان، فحياتها لم تخل من منغصات ومشكلات وأزمات، ولكنها استطاعت التغلب علي كل هذا بفضل حبها وعشقها لفنها وإخلاصها لجمهورها الذي منحها تاج المحبة ورسم منها أيقونة خالدة مثل الأساطير اليونانية.

 وقد علمتنا تلك السيدة معني "الآهه أو الآهات"، ونوعت في القائها مرة بترفيع الصوت ومرة بتضخيمه حتي أمتعتنا، فهي بحق تجربة خالدة لن يجود بها الزمان مرة أخري علي الأقل في الأزمنة القريبة، ويكفيها لحظة تتلاقي فيها مع جمهورها عبر لحظة انفعالها واندماجها في الأداء، ليتجلي صوتها حبا في الله عبر أغانيها وابتهالاتها الصوفية وفي مدح سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم في "ولد الهدي والرضا والنور وسلوا قلبي و حديث الروح  ورباعيات الخيام والقلب يعشق كل جميل"..

 كما أنها لم تتخل عن الوطن في أي لحظة من اللحظات لتغني له على بلد المحبوب وديني ومصر تتحدث على نفسها وطوف وشوف".. ثم لم تتخل عنا نحن جمهورها العريض لتعلمنا الحب بكل معانيه سواء من الف عام تقريبا بـ"آراك عصي الدمع" لأبي فراس الحمداني، لتصل الي شعراء عصرها المبدعين الذين كتبوا لها "يا ظالمني ورق الحبيب وسهران لوحدي ويامسهرني ودليلي احتار وأمل حياتي وذكريات قصة حبي وإنت عمري وفكروني وأمل حياتي و ظلمنا الحب وسيرة الحب  وفات الميعاد" وغيرهما من إرثها الذي لا ينضب مثل شلال أو بئر المياه الذي يظل يروينا الي يوم الدهر.. 

وإذا كنت أنوي الكتابة عن فات الميعاد، فقد سرقني الوقت في الكتابة عن الأيقونة نفسها، لأعد القراء الأعزاء الكتابة عن رائعة أم كلثوم مع مرسي جميل عزيز وبليغ حمدي في أقرب فرصة.
قبل الأخير..

يوم الحب 
يهل علينا عيد الحب يوم الأربعاء المقبل، ولعلي أفكر كل المحبين في عالمنا العربي بالحب، فالحب هو الينبوع الذي يروي الحياة مثل الماء الذي يرتوي منه الظمآن، فينبوع الحب لا ينقطع طالما ظلت القلوب متحابة ومتسامحة وعواطفها جياشة.. اتحدث عن الحب بكل معانيه، بين حبيبن وزوجين وبين الأسر والعائلات في الوطن الواحد،  حتي بين الأوطان، فالحب معني كبير نعيش فيه ، فحب الوطن واجب والانتماء له فريضة، وحب الأسرة فرض حتي نخلق واطنا ومجتمعا قويا ومتماسكا، وحب الشعب لقيادته دليلا علي الوفاء المتبادل بين طرفي معادلة أبدية، قيادة تخطط وتجتهد لإسعاد شعبها، وشعب يتفاني في العطاء والإخلاص لقيادته، حتي تستمر الحياة جميلة..

احمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني
amurshed2030@gmail.com

إرسل لصديق

تصويت

هل تتوقع هبوط الدولار إلى 14 جنيها مطلع العام المقبل؟

هل تتوقع هبوط الدولار إلى 14 جنيها مطلع العام المقبل؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر