طباعة
sada-elarab.com/802225
لماذا سخِرَ ترامب من كارولين المكلفة بتحسين صورته أمام العالم بعد أن وصف شفتيها وهما تُجيبان عن أسئلة الصحفيين المستفزة وكأنهما رشاش آلى يُطلق الرصاص؟!
الحرب على الطريقة الترامبية!
«ربما ننسحب من إيران سواء باتفاق أو بغير اتفاق»..
عبارة قالها ترامب منذ ساعات، فهل يفعلها ويُنهى حربًا أربكت العالم، الكل فيها خسران، ويُربك حسابات إسرائيل التى أشعلت النار فى المنطقة بحرب دخلت يومها الخامس والثلاثين؟
حرب كارثية حافلة بدراما تراجيدية ترامبية تحمل الشىء ونقيضه، فما يقوله اليوم يقول عكسه غدًا.. حرب غيّرت طقوس العلاقات بين الرؤساء، حيث أطلق ترامب لسانه ضد الكثير من الرؤساء والقادة وأقرب حلفائه، حتى كارولين، المتحدثة باسم البيت الأبيض، وضعها فى موقفٍ مُحرج وساخرٍ أمام عدسات الكاميرات.. عبَّر بانزعاجٍ شديد عن حجم الهجوم الإعلامى الذى يُواجهه، مُدعيًا أن نسبة التغطية الإخبارية السلبية لإدارته تتراوح بين 93 إلى 97 بالمائة!
يُوجّه مدفع سخريته على الهواء نحو السيدة المُكلفة بتحسين صورته أمام العالم، قائلًا لها: ربما كارولين تقوم بعمل سيئ للغاية فهل نُبقيها؟
انقلب عليها رغم أنه كان أكثر المعجبين بأدائها الإعلامى، فقد وصفها من قبل بأنها «نجمة رائعة»، مشيدًا بشراسة دفاعها عنه لدرجة أنه وصف شفتيها وهما تُجيبان عن أسئلة الصحفيين المستفزة وكأنهما رشاش آلى يُطلق الرصاص!!
أكثر ما يُميّز الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أن ترامب لا يتوقف عن صناعة الدعابات التى تقف دائمًا على الخط الفاصل بين الضحك والتهديد الفعلى.. حافظ على حضوره القوى على وسائل التواصل الاجتماعى، ومهاجمة خصومه والتفاعل مع قاعدته الشعبية، مستفيدًا من أسلوبه المباشر والمثير للجدل.. يقول: «قضينا على الجيش الإيرانى».. والواقع يؤكد أن الصواريخ الإيرانية لا تزال تقصف إسرائيل والمصالح الأمريكية بالمنطقة.. يقول: «إيران تلهث لإجراء مباحثات معه» وإيران تنفى!!
فى حديث حمل طابع التهكم صب جام غضبه على نظيره الفرنسى ماكرون لرفضه إرسال سفن للمشاركة فى الحرب على إيران وقال: اتصلت بماكرون الذى تعامله زوجته معاملة سيئة للغاية.. لا يزال يتعافى من لكمة قوية وجهتها له زوجته بريجيت خلال رحلة إلى فيتنام.. وردَّ ماكرون بأن تصريحات ترامب غير لائقة ولا تستحق الرد.
وصف حلف الناتو بأنه «نمر من ورق»، وقال إن الولايات المتحدة سيتعين عليها إعادة النظر فى علاقتها مع الحلف بمجرد انتهاء المواجهة مع إيران.
هدد قادة بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا وطالب كل القادة بإرسال قواتها لحماية مضيق هرمز.. هدد بتدمير إيران وإعادتها إلى العصر الحجرى، وردَّت إيران قائلة: «فى الوقت الذى كنتم فيه فى الكهوف تبحثون عن النار، كنا ننقش حقوق الإنسان.. لقد صَمدنا أمام عاصفة الإسكندر والغزوات المغولية وبقينا، لأن إيران ليست مجرد دولة، بل هى حضارة».
وفى مشهد فاضح على الهواء مباشرة تغزل فى مذيعة قناة فوكس نيوز التى سألته: هل لديك أخبار كيف يعيش الشعب الإيرانى بعد شهر من الحرب؟ هل لديك معلومات عن أحوالهم؟ هل لديهم طعام أو ماء؟
قال: نعم لدىَّ معلومات، ولكن قبل ذلك، هل تتذكرين عندما تناولنا الغداء معًا فى مكتبى ببرج ترامب قبل عدة سنوات حينما كان المبنى جديدًا حتى نتمكن من تبادل القبلات؟
لبنان تحت القصف !
إسرائيل لم تكتفِ بتدمير غزة وإيران وسوريا واليمن لكن صواريخها تحرق لبنان وتهدد ماضيها ومستقبلها.. الصواريخ الإسرائيلية تنهمر يوميًا على لبنان والزحف الإسرائيلى يقترب من نهر الليطانى، وتسعى بكل قوة لإنشاء منطقة عازلة فى جنوب لبنان خالية من السكان، بهدف وقف هجمات حزب الله.
الصراع الإسرائيلى مع إيران لم يكن يومًا مجرد مواجهة عسكرية، بل قصة ممتدة من الألم كُتبت فصولها بالنار والدخان منذ حرب لبنان عام 2006.. الاعتداءات الإسرائيلية لا تتوقف، وكأن هذا البلد كُتب عليه أن يعيش فى دائرة مغلقة من الدمار وإعادة الإعمار.
فى مغارة جعيتا!
بينما كنت أتابع القصف الإسرائيلى على بيروت عُدت بالذاكرة 20 عامًا إلى الوراء عندما قضيت أسبوعًا فى لبنان ذلك البلد الساحر.. بحرٌ يحتضن قمم جبال تُلامس الغيوم.. وسماء صافية تعكس وجع الأرض وشوارع لا تهدأ ولا تنام.. يبدو كل شىء وكأنه دعوة للحياة.
فى عام 2005، سافرت إلى لبنان مرافقًا للواء حبيب العادلى، وزير الداخلية وقتها، لحضور فعاليات مؤتمر وزراء الداخلية العرب الذى عُقد فى بيروت لمساندة لبنان الذى تعرّض لهزة عنيفة عقب اغتيال رئيس وزرائه رفيق الحريرى بتفجير موكبه بأكثر من ألف كيلوجرام من مادة تى إن تى شديدة الانفجار.
بعد انتهاء جلسات المؤتمر رتبت وزارة الداخلية اللبنانية للوفد المصرى رحلة إلى مغارة جعيتا ثامنة عجائب الدنيا.. عندما اقتربنا من وادى نهر الكلب بشمال بيروت شعرنا بأن الطبيعة تُعدّ لنا مفاجأة استثنائية.. بين الجبال الخضراء، تختبئ واحدة من أروع عجائب الدنيا.. «مغارة جعيتا» تلك التحفة الطبيعية التى نحتتها المياه عبر ملايين السنين.
الدخول إلى المغارة يشبه العبور من الواقع إلى الأسطورة.. درجات من الصخر قادتنا إلى فضاء بارد منعش، وصمت مَهيب لا يقطعه سوى صوت قطرات الماء وهى تنحت الزمن قطرة قطرة.
الإضاءة الخافتة تكشف أعمدة حجرية شاهقة من الصواعد والهوابط، وكأنها قصور من البلور.. «مغارة جعيتا» ليست مجرد مزار سياحى؛ فهى عبارة عن تجاويف وشِعاب ضيقة، ورُدهات وهياكل وقاعات نحتتها الطبيعة، وتسربت إليها المياه الكلسية من مرتفعات لبنان لتشكل مع مرور الزمن عالمًا من القباب والمنحوتات والأشكال والتكوينات العجيبة.
فى المغارة العليا، تتجلى أعظم اللوحات الطبيعية.. تشكيلات صخرية ضخمة تُشبه الشموع العملاقة، وأقواس كأنها نُحتت بأيدى فنان عبقرى.. كل زاوية تحكى قصة آلاف السنين من الصبر والإبداع الطبيعى.. قمنا برحلة بالقارب فى بطن الجبل.. وشعرت بأننى أُبحر فى عالم خفى تحت الأرض، عالم هادئ، نقى، يفيض بالجمال والرهبة فى آن واحد، ويبعث برسالة الطبيعة الصامتة.
وعلى مدار سنوات أصبحت جعيتا رمزًا للسياحة اللبنانية، ووجهة يقصدها الزوار من مختلف دول العالم.. «مغارة جعيتا» ليست مكانًا زرته بل تجربة عشتها وبقيت فى الذاكرة.
بقى أن أذكر أن مغارة جعيتا أطول المغارات فى الشرق الأوسط تم افتتاحها عام 1958 وأصبحت رمزًا وطنيًا لبنانيًا وأحد أكثر المواقع جذبًا للسياح فى المنطقة، فهل تنتهى الحرب ليعود ملايين السياح إلى لبنان وتعود بيروت واحة الجمال؟!
العلكى والتفاهنى.. وداعًا
يا وجع القلب.. فى ليلة واحدة رحل اثنان من أنبل الصحفيين بأخبار اليوم، لم يفصل بين ارتقائهما إلى رحاب الله إلا ساعات قليلة.. قبل ساعات كنت فى مستشفى كوبرى القبة العسكرى للاطمئنان على صحة رفيق العمر شهاب العلكى «عمدة الصحفيين» -وهو اللقب الذى كان يحلو لنا أن نُناديه به؛ لأن مكتبه كان مقصدًا للجميع وقلبه الطيب لم يضمر الشر لأحد- وقفنا على سريره أنا والكاتب الصحفى جمال عبدالرحيم، سكرتير عام نقابة الصحفيين، وأحمد خليل، مساعد رئيس تحرير الأخبار، وكان فى ملكوت الله، ناديناه ففتح عينيه وتحدّث إلينا بلغة العيون وكأنّه يُسدل الستار على حكاية عُمْرٍ عشناها معًا لم نفترق خلالها قَط.. غادرنا المستشفى ونظر كل منا إلى الآخر وقلنا إنه لقاء الوداع! فى منتصف الليل دق جرس هاتفى وكانت المتصلة ابنته الصحفية «إيمان شهاب»، وقبل أن أرد عليها كنت على يقين بما ستبلغنى به.. قالت: «عمو.. بابا مات». وانهارت فى البكاء.. انطلقتُ إلى المستشفى وكانت مُظاهرة حب من الزملاء الذين توافدوا رغم الوقت المتأخر وبعدها انطلقنا إلى قريته برديس التى كان يعشقها وأوصى بالدفن فى ترابها.. وخرجت القرية على بَكرة أبيها للصلاة عليه عقب صلاة الجمعة وكان المشهد فى المقابر مَهيبًا.. وداعًا رفيق العُمر شهاب العُمر.. وبينما كنا فى طريقنا إلى الصعيد، هاتفنى الصديق الكاتب الصحفى أيمن بدرة وأبلغنى بثانى الأخبار الصادمة:
رحيل الصديق النبيل نبيل التفاهنى، مدير تحرير الأخبار ومدير مكتب «الأخبار» بالمدينة الباسلة بورسعيد.. جمعت بينى وبينه كيمياء الحب وكنا على اتصالٍ دائم.. عقب تكليفى بالإشراف على الإدارة المركزية للمحافظات تواصلت معه لعمل ملف عن التأمين الصحى الشامل الذى افتتحه الرئيس السيسى ببورسعيد.. وبحماس الشباب قام بعمل ملف أكثر من رائع، لكن للأسف رحل قبل أن يقرأ التحقيق الصحفى منشورًا فى الأخبار.. رحل نبيل التفاهنى وكانت جنازته المهيبة تأكيدًا على الحب والتقدير من أبناء المدينة الباسلة بورسعيد التى يعشقها، ومن كافة الزملاء الصحفيين؛ لما يتمتع به من دماثة الخُلق.
لا نملك إلا أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.










