محافظات
" القرآن الكريم وأثره فى تقوية الجوانب الإيمانية وترسيخ القيم الإنسانية فى خطبة الجمعة بمساجد بالإسكندرية "
الجمعة 29/ديسمبر/2017 - 04:45 م
طباعة
sada-elarab.com/77063
قال الشيخ محمد العجمى وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية إن أئمة ودعاة الأوقاف تناولوا فى خطبة الجمعة اليوم " القرآن الكريم وأثره فى تقوية الجوانب الإيمانية وترسيخ القيم الإنسانية " تنفيذا لتوجيهات الأستاذ الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف بترسيخ الفكر الوسطى المستنير بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
وقال العجمى : إنه لا يوجد في تاريخ البشرية كتاب نال من المكانة في نفوس أصحابه كما نال القرآن، ولا يوجد كتاب قرئ وحفظ مثل هذا الكتاب، ولا عجب إن سماه الله (القرآن) فهو الكتاب المقروء.
أمة القران: لقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوى إلى الله كما قال تعالى ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30] وهذه الشكوى لها واقع ملموس في حياة المسلمين سواء من ظاهرة الهجر أو من الخسران الذي وقعوا فيه بسبب ترك العمل بهذا القران. إن هجر القران الكريم له عدة صور منها:ترك الإيمان به وعدم التصديق بما جاء فيه، وعدم تدبره وتفهمه، وترك العمل به، وعدم امتثال أوامره واجتناب زواجره، ومن هجرانه عدم تحكيمه في جوانب الحياة كافة، ومن هجرانه عدم قراءته، وعدم العناية بحفظه ونشره في العالمين.
أيها المسلمون: لقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بقراءة كتابه المبين ورتب على القراءة الأجر الكبير وسواء قلت القراءة أو كثرت فان القارئ لا يعدم أجرا قوله صلى الله عليه وسلم (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها: لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) وملازمة قراءة القرآن صحبة خير تفي صاحبها حقه في الدنيا وتشفع له في دار الآخرة، وفي صحيح مسلم (اقرءوا القران فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، والحفظ صنو القراءة ففي الحديث (إن الذي ليس في جوفه شيء من القران كالبيت الخراب ) ولقد شرع الله القران والحفظ من أجل إن يتزود العباد من الحسنات ومن أجل الارتباط بالقران قراءة وفهماً وعلماً و فإن القراءة لا تجدي نفعا إلا بتدبر المعاني وبتفهم الآيات قال تعالى (كتاب أنزلناه إليك مباركا ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب ) بل إن الله تعالى أمر بالتدبر (أفلا يتدبرون القران أم على قلوب اغفالها ) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع القران فيقف عند معانيه فتتحرك مشاعره وتزرف عيناه تأثرا بما يقرا وتفاعلا مع الخطاب الإلهي.
القرآن - يا أمة القران - شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة والتحاكم ليس مقصوراً على أصحاب القرار فحسب بل هو شامل للجميع بما في ذلك الفرد المسلم، فالمسلم يتحاكم أمام نفسه ومع زوجه ومع ولده ومع الناس كافة في سائر علاقاته، والمؤمن يتأدب بأدب القرآن فما أمر الله به فهو المعروف الذي يجب أن يفعل وما نهى الله عنه فهو المنكر الذي يجب أن يترك.
وبين العجمى كيف رسخ القرآن الكريم الجوانب الإيمانية والقيم الإنسانية قائلا :-
أمةَ الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، إن المتأمل في التشريعات التي جاءت على لسان خيرِ الكائنات صلى الله عليه وسلم، لَيلمُسُ فيها الجانب الإنساني الذي يقدر إنسانية المسلم، ويعرف قدرته وطاقته؛ لذا جاءت التشريعات تحمل المعنى الإنساني في اليسر والسهولة، والرفق والرحمة، وإليكم بيان ذلك:
قال تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28].
قال ابن كثير: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾؛ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم؛ ولهذا أباح الإماءَ بشروط؛ كما قال مجاهد وغيره، ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ فناسبه التخفيف؛ لضعفه في نفسه، وضعف عزمه وهمته[1].
قال الطبري: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أن ييسر عليكم[2].
﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]:
عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل عليها وعندها فلانة - لامرأةٍ - فذكرت من صلاتها، فقال: ((مه، عليكم بما تُطيقون، فواللهِ لا يملُّ الله عز وجل حتى تملُّوا، إن أحبَّ الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبُه))[3].
عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفروا))، وفي رواية: ((وسكِّنوا ولا تنفروا))[4].
وتتجلَّى إنسانيته في اختياره الأيسر والأسهل ما لم يكن إثمًا؛ فعن عائشة قالت: ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في أمر يُنتهك منه، إلا أن تُنتهك لله عز وجل حرمة، فينتقم لله عز وجل"[5].
وأكدالعجمى على أن القرآن يأخذ بيد الإنسان ليحرره من الصفات الذميمة جميعًا، ويُحَوِّل تلك الصفات إلى قيم إنسانية عليا، وبذلك يتحرر الإنسان ويسمو فوق كونه كفورًا، وعاقًّا، وجهولاً، وخصيمًا مبينًا، ويؤوسًا قنوطًا، ساخطًا حال الشدة، ومُوَسْوِسًا، وهلُوعًا، وفاجرًا، وشاكًّا في البعث، ونكرةً غير مذكور حينًا من الدهر، ومغترًّا بربه، وكادحًا إليه، ومخلوقًا من تراب، ومن طين، ومن ماء مهين، ومن نطفة، ومن علقة، وناسيًا، وطاغيًا حال استغنائه.. إلخ.
وقد تميزت الحضارة الإسلامية بالسماحة، فسادت القيم الإنسانية النبيلة في واقع الناس بين المسلمين بعضهم ببعض، وبينهم وغيرِهِم من الناس من أصحاب الديانات الأخرى، وهنا نريد أن نؤكد أن الإسلام هو انقياد الناس لله رب العالمين مهما اختلفت وتعددت الشرائع السماوية، كما نؤكد أن الإسلام الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين واحد، فلا فرق بين إسلام نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى، وغيرهم من أنبياء الله ورسله عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، ومن المعروف في الشرع أن إيمان المسلمين على شريعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يتحقق مالم يؤمنوا بما جاء في قول الله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285].
واختتم العجمى حديثه قائلا :-
يقول العلماء عن تلك الآية: إنها من أمهات الأحكام، تضمنت جميع الدين والشرع، والآية عامة في الجميع، ولكن لو نظرنا إلى سبب نزول الآية، لوجدنا أنها تظهر وجهًا مشرقًا لإنسانية الإسلام، ممثَّلة في النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأتباعه من بعده، فهذا مفتاح الكعبة - بيت الله الحرام - في يد رجل غير مسلم قبل الإسلام، وحامل المفتاح هو عثمان بن أبى طلحة، وابن عمه شيبة، وقد منعا النبي من دخول الكعبة، وهو بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، وحينما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا منتصرًا، إذا بعمه العباس بن عبدالمطلب يطلب منه مفتاح الكعبة لتضاف له السِّدانة إلى السقاية، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بدلاً من أن يلبي طلب عمه، إذا به ينادي على من منعوه من دخول الكعبة من قبل، ودعا عثمان وشيبة فقال: ((خُذاها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم))؛ أيُّ طرازٍ من الإنسانية يُعَلِّمُه محمد صلى الله عليه وسلم لأتباعه خاصةً، وللناس عامة؟!










