اخر الأخبار
أحمد المرشد

أحمد المرشد

القوي العالمية لا تدوم .... ولغة المصالح تنتصر

الجمعة 08/ديسمبر/2017 - 02:10 م
طباعة
يمر العالم من شرقه الي غربه بأحداث كثيرة ومتسارعة تزيد من صعوبة  تحليلها في حينها والخروج برؤية عامة وشاملة لما يجري، ومن ضمن هذه الأحداث ما نراه مؤخرا من تراجع مكونات القوي العالمية، وعلي سبيل المثال كانت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا هما القوتين العظميين في العالم ودخلا في حرب باردة طويلة، وتقود كل دولة مجموعة من الدول سميت بالمعسكر الشرقي (السوفيتي) والمعسكر الغربي (الأمريكي)، واستمرت هذه الحرب قرابة 40 عاما تقريبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية و حتي  انهيار سور برلين في أواخر 1989 مما شجع جميع دول  الكتلة الشرقية علي التمرد علي حكامها والانتقال الي النظام الحر والانضمام لاحقا الي المعسكر الغربي، في صورة الاتحاد الأوروبي..لا نقول هنا أن الجميع انتقل ولكن معظم الدول انضمت بالفعل للاتحاد الأوروبي حتي انتهي ما يسمي حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي المنحل في حين استمر حلف شمال الأطلنطي (الناتو) قائما بكافة أذرعه العسكرية والسياسية.
 ربما كان هذا تمهيدا لفكرة تراودني منذ فترة مفادها أن التغيير الكوني مستمر ولا يبقي واقفا مكانه، فكل الأحداث تتغير وتتبدل، فالاتحاد السوفيتي انتهي بفعل سياسة ميخائيل جورباتشوف صاحب مفردات "المكاشفة والانفتاح" لتنهار الدولة الكبري وتتفكك أوصالها الي 11 دولة ما بين صغيرة وكبيرة، حتي إن بعضها انضم لحلف الناتو..في مقابل هذا تمدد المعسكر الغربي واستقوي بالأعضاء الجدد في حين تولت الولايات المتحدة في عهد رونالد ريجان قيادة العالم أجمع، لتنفرد بالقرار الدولي منذ ذلك الحين. كما انفردت أمريكا بمعظم الملفات السياسية المفتوحة ومنها عملية السلام وقبلها تولت عملية عاصفة الصحراء التي أزاحت الجيش العراقي عن الكويت، فيما رضخت الدولة الروسية الجديدة في عهد بوريس يلتسين لكل التوجهات الأمريكية في ظل ضعف روسيا سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا.
مجمل القول أن الولايات المتحدة أصبحت سيدة العالم وأدارت كافة ملفاته الي حين تغيرت الظروف لغير صالح واشنطن، بل تبدلت تلك الظروف لمصلحة قوي أخري، مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي. كذلك تبدلت التحالفات العالمية وتغيرت قطع الشطرنج علي مدي السنوات العشر المنصرمة، ولم يعد البيت الأبيض هو سيد التحالفات ومؤسسها، فروسيا لم تعد ضعيفة مثل أيام بوريس يلتسين، لأن الرئيس الحالي فلاديمير بوتين ابن مؤسسة المخابرات السوفيتية العتيقة تولي الحكم وأصبح قائدا يقود جزءا مهما من العالم، حيث أصبحت موسكو قبلة الأتراك والإيرانيين والسوريين وبعض الأطراف العربية التي سئمت السياسة الأمريكية، كما أن موسكو هي التي تدير الأزمة السورية من الألف للياء.. في حين نري واشنطن وقد سحبت يديها من هذ الملف الإقليمي الحيوي، فروسيا هي التي وقفت بجوار الرئيس السوري بشار الأسد وقت  أزمته وساندته حتي استرد أراضي كثيرة كان استحوذت عليها قوي المعارضة أو داعش. كما تحركت إيران لدعم سوريا بتنسيق تام مع روسيا، فكانت مساندتها العسكرية والمالية، وقدمت للنظام السوري استشارات عسكرية ومسلحين  من هنا وهناك ليس أخرهم مسلحي حزب الله. وقد رأينا تركيا تميل ناحية روسيا في كافة المواقف المتعلقة بسوريا، نظرا لتناقض التوجهات مع الولايات المتحدة خاصة ما يتعلق بالشق الكردي ورفضها اقامة كيان كردي كبير بالمنطقة علي حساب أراضيها.
ومن قبل الأزمة السورية، وجدنا روسيا داعما قويا للملف النووي الإيراني، وكانت بجانب الصين من أكبر الموردين للاحتياجات النووية الإيرانية، مقابل النفظ الإيراني الرخيص مستغلين وقتها الحصار الاقتصادي العالمي علي طهران. أما الولايات المتحدة التي ظلت طويلا تقود العالم خاصة منطقة الغرب الأوروبي وتدافع عن دوله ضد الأخطار والتهديدات وتوفر له كافة التغطيات العسكرية، يبدو أنها تبتعد عن مركزية القرار الدولي ولم تعد محوره. هذا الكلام لا ينطبق علي الرئيس الحالي دونالد ترامب فقط، لأن سلفه الديمقراطي قرر من قبل انسحاب قوات بلاده من العراق وأفغانستان ومناطق أخري من العالم توفيرا للإنفاق العسكري من أجل دعم ميزانيته المتدنية والوفاء بمتطلبات الصحة والتعليم في بلاده، وبالتالي ما نستطيع قوله هنا أن أمريكا سيدة العالم الحر وغير الحر لن تكون أرض الأحلام لبقية سكان الكرة الأرضية لأنها شبه تخلت عن دورها كزعيمة للعالم.
ليس روسيا فقط التي اضطلعت بملفات دولية مهمة لم تكن تقترب منها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، فأمامنا الصين التي يبزغ نجمها العالمي بقوة وبسرعة كبيرة في نفس الوقت، وقد نجحت بكين في استغلال غياب الحضور الأمريكي علي الساحة الدولية وتراجع دور واشنطن فى السنوات الأخيرة والتي بدأ في عهد باراك أوباما كما أسلفنا. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة أو راغبة فى قيادة العالم مثلما لعبت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ورفع الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب شعار "أمريكا أولا"، ولم يتوقف الرئيس الأمريكي الشعبوي عن مجرد القول والتصريحات لانه  سحاب بلاده من اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادى، ومن اتفاقية باريس للمناخ التى وقعها سلفه باراك أوباما، ناهيك عن تهديده الدائم بسحب تعهد بلاده بالدفاع عن دول حلف شمال الأطلنطى. وتمادي ترامب في انسحابه من المحيط العالمي تنفيذا لشعاره المشار إليه ليطالب بإعادة التفاوض بشأن اتفاقية منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التى تجمع الولايات المتحدة  وكندا والمكسيك.
لن نقول أن الصين تنوي ملء الفراغ الأمريكي في التو واللحظة، ولكنها تتقدم بقوة نحو هذا بغير عجلة وعبر خطة مرحلية غير متلهفة في تحقيق ذلك في المستقبل القريب،  ولم يأت التطور الصيني من فراغ، فلم تتوان بكين في تبني نفس ما أعلنته  الولايات المتحدة من شعارات سابقة  وجعلت من واشنطن قائدة للعالم، فالصين علي سبيل المثال تطالب بتحرير التجارة العالمية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وهو المطلب الأمريكي القديم والتي تخلت عنه حاليا حيث تشدد في سياساتها الحمائية التجارية ضد الصين والاتحاد الأوروبي وبقية دول العالم. وإذا كانت الولايات المتحدة قد قدمت مشروع مارشال لألمانيا الغربية والدول الغربية لمساعدتها في تجاوز نكبات وخسائر الحرب العالمية الثانية، فالصين تقوم بنفس الدور حاليا في مناطق عدة بالعالم، منها إفريقيا وأسيا علي وجه الخصوص، وقد أطلقت مبادرة "حزام واحد وطريق واحد" وهي المبادرة الخاصة بإحياة طريق الحرير القديم وتطلق عليه "مشروع القرن"، كل هذا بهدف ربط اقتصاديات إفريقيا وأسيا للاستفادة من المشروع لاحقا واستثمار كل ما قدمته  من أموال لدول القارتين الإفريقية والأٍسيوية. ولم يتوقف الدور الصيني علي هذه المبادرة، فتزامنت معها تأسيس البنك الآسيوى للاستثمار في البنية التحتية عام 2015، لينافس بقوة البنك الدولى، وليكون أحد أسلحة الصين الناعمة  الصين لخلق توازن مع  النفوذ الأمريكى و الغربى فى العالم. وبتأسيس هذا البنك، عوضت الصين تعمد تغييب الولايات المتحدة لها في عملية صنع القرار في صندوق النقد والبنك الدوليين بشكل يتناسب مع قوة بكين الاقتصادية عالميا، هذا عندما كانت أمريكا تهيمن علي القرار في هاتين المؤسستين الماليتين العالميتين.
وإذا كانت الولايات المتحدة حلما لمعظم سكان العالم بعد الحرب العالمية الثانية وحتي الآن، فالصين أيضا تسلحت بكافة الأسلحة الاقتصادية والسياسية والعسكرية مما يمكنها من تحقيق "الحلم الصيني" الذي تحدث عنها رئيسها شي جين بينج، فقد أصبحت تمتلك كافة مكونات التقدم الاقتصادي لترويج نموذجها الجديد للعالم.
ويخطط الخبراء الصينيون لاحتلال المكانة الأولي في العالم، أو لو شئنا الدقة احتلال مكانة الولايات المتحدة في العالم بحلول منتصف القرن الواحد والعشرين، أي بعد مرور نحو مائة عام علي الثورة الصينية. ما يخطط له الخبراء الصينيون لم يأت من فراغ، لأنهم اعتمدوا خطة ثلاثية تطبق علي  مراحل، الأولي تركز علي ملاحقة التقدم الأمريكي في كافة المجالات. وبمجرد أن تنتهي المرحلة الثانية وهي الدخول في سباق دولي مع أمريكا ومشاركتها في عملية قيادة العالم، تبدأ المرحلة الأخيرة وتتسيد في الصين  هذا العالم وتقوم بما كانت تقوم بها القوي العالمية الوحيدة والأبرز ونقصد بها الولايات المتحدة.
لقد قرأ الصينيون التاريخ جيدا وطبقوا ما جاء به من أحداث، فالإمبراطوريات العظيمة تهاوت والقوي العظمي انهارت وحل محلها قوي أخري، هكذا يقول التاريخ، وقد كتب تاريخنا المعاصر تعبير "العظمي" مرادفا بريطانيا إبان تسيدها العالم وكان قبلها الإمبراطورية الفرنسية، ولا ننسي الدولة النازية بكل جبروتها وقوتها، ثم الاتحاد السوفيتي وليس أخرا ستكون الولايات المتحدة.
وقياسا علي ما سبق، نحن لسنا بحاجة الي التعليق في الوقت الراهن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل مقر السفارة الأمريكية من تل أبيب الي القدس، فالتحالفات تتبدل،  وهكذا المصالح ومراكز القوي، وإذا كانت إسرائيل تستقوي حاليا بحليفتها واشنطن فربما يتمسك الفلسطينيون بحليفهم الإستراتيجي الأقوي في العالم في وقت لاحق، ونقصد هنا الصين. فالأيام دول، وعلي نفسها جنت براقش.


إرسل لصديق

تصويت

هل تؤيد تغليظ العقوبة على المتحرشين؟

هل تؤيد تغليظ العقوبة على المتحرشين؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر