صدي العرب
اخر الأخبار

الاشراف والقبائل العربية

الغلاء والفساد وجهان لسقوط عرش مصر ..

الجمعة 28/أبريل/2017 - 04:14 م
صدى العرب
طباعة
بقلم .. دكتور أحمد حسين النمكى ..

 

الحاشية الفاسدة وسقوط عرش مصر : -

    عادة ما يتناسى الحكام القاعدة العريضة من الشعوب ولا ينظرون إليهم ولا يشعرون بهم إلا عندما يزلزلون عروشهم ويقفون أمامهم وجهاً لوجه قاتلين مقتولين ، وفي العادة أيضاً تكون القاعدة العريضة من الشعوب سبباً في توصيل الحكام إلى سدة الحكم والجلوس على العرش ، وهم أيضاً سبب في خلع وطرد وقتل هؤلاء الحكام ، ويعود ذلك إلى تغافل هؤلاء الحكام وتركهم لقمة لفساد التجار والحكام المحليين يدوسونهم بأحذيتهم ويضربون بالقوانين عرض الحائط ، فتقف هذه الجماهير بين سندان الظلم والفساد وغلاء الأسعار ومطرقة الإهمال من الحاكم الأعلى .

    وفي الغالب يكون هؤلاء الحكام وطنيين وليسوا خائنين ولكنهم غضوا الطرف عن مراقبة دولهم بطريقة عادلة وحاسمة ، وتركوا دولهم وشعوبهم أيضاً في يد مجموعة من المرتزقة والوصوليين الذين لا يملكون حس الوطنية في قلوبهم وكل ما يطلبونه هو المال والجاه والسلطان . وهذه الطائفة من الناس كانوا موزعين في كافة المناصب ويتحكمون في جميع أصحاب الكراسي بالتلويح والتصريح ، بالترهيب والترغيب ، والكل يبوس أقدام ـ وجزم ـ هؤلاء ، والحاكم الأعلى يعيش في غفلة تامة ، ولا تجد له من دون له ولياً مرشداً .

    هذه صورة عامة غلبت على معظم الحكام ، ولا يستيقظ الحاكم إلا ويجد نفسه مطالباً بالرحيل من مصر أو بالتنحي عن الحكم أو بالاغتيال أو بالقبض عليه وسجنه ، وكل هذه الأمثلة مر بها التاريخ المصري الحديث من أيام أسرة محمد على باشا حتى يومنا هذا .

   لقد كان الملك فاروق لدية من الحس الوطني بما لا يخفي على أحد من الكتاب والمؤرخين ، فهو شديد الحب لمصر ، وكان متحمساً للقضية الفلسطينية والتي كانت سبباً في خلعه من عرش مصر ، وظلمته الثورة وتعاملت معه على أنه حاكم فاسد وليس خائناً ، لقد نسبوا إليه الفساد واللهو والشرب والسكر والنساء والراقصات ، وهى أشياء كان بريئاً من أكثرها ، وهى في واقعها عرف تاريخي لم يخل منه تاريخ حاكم من الحكام إلا قليلاً  .

    ولكن الثورة التي حكمت مصر من 1952م إلى 2011م تحكمت في كتابة وكتاب التاريخ فكتبوا عن فاروق والأسرة المالكة ما يريدون ، وخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولم يعلموا أنهم يلوثون ذاكرة شعب ويدمرون مصير أمة بتاريخ مزور لا أساس له إلا أوهام حكام ذلك الزمان وعناترة الوقت والأوان .

   لو كان هناك مؤرخون منصفون وقارنوا بين عصر فاروق وعصر عبد الناصر ـ مثلاً ـ لوجدوا أن ما حدث في عصر عبد الناصر من الظلم والطغيان أضعاف ما حدث في عصر فاروق بل في عصر الأسرة العلوية كلها ، وهذا بفضل أعوان عبد الناصر ، والفساد الذي عم عصر الثورة  المباركة .

   فإذا كان عبد الناصر وطنياً فلابد أن نذكر القارئ الكريم أن الخديوي عباس ـ عم الملك فاروق ـ قد فقد عرشه سنة 1014م بسبب وطنيته وحبه لمصر ، كذلك كان الملك فاروق الذي تنازل عن عرشه وعرش آبائه ولم يسمح لأحد من حراسه أن يتراشق مع الثوار بالنيران ، ولم يخرج هو نفسه طلقة واحدة من مسدسه ، فأين هذا مما فعله ويفعله بشار الأسد ؟ أو يفعله الشيعة في العراق وإيران واليمن ؟ وما فعله حسنى مبارك وأولاده وأعوانه في زمنه البغيض !! 

    كان فاروق محباً لمصر والمصريين ، ولكنه ترك الدولة بين يدي فئة فاسد من الوزراء لا هم لهم إلا مصالحهم الشخصية ، وأن يعيشوا ـ هم ـ عيشة الملوك والأمراء وحسب ، ولو كان هناك خداع لفاروق فلابد للبحث عن تجار السلاح الذين باعوا مصر للروس وتجار السلاح مقابل حفنة من الأموال ، لابد أن نرقب الفساد من أين يأتي ؟ فليس بالضرورة أن يكون الحاكم فاسدا في شخصه ، ولكنه قد يكون ساكتا عن الفاسدين ، ولم يرفع لهم العصاة ، فلابد أن يدفع ـ هو قبل غيره ـ الثمن ، وهذا ما حدث مع فاروق وحسنى مبارك .

   لقد استطاع رجال حاشية الملك فاروق ـ وهؤلاء موجودون في كل عصر وهذا ما صنعه رجال مبارك مع مبارك نفسه ـ أن يعزلوه عن شعبه وأن يخلقوا سياجاً من العزلة بينه وبين الرعية الذين أجلوه ورفعوه إلى السماء حتى قال أحد شعراء عصره وهو الشيخ أحمد شحاتة رحمه الله وهو يمدحه

أيها الفاروق يا سامى الجدود .. أنت ظل الله في هذا الوجود

    كانت مشكلة الملك فاروق أنه تولى العرش تحت الوصاية ، أي أنه كان طفلاً وكان الأوصياء يلعبون به قبل جلوسه على العرش ، وكانت أمه سيدة سلطوية ، صاحبة هوى ، وكان مجلس الأوصياء لا يستطيع أن يخفي مطامعه ، وكانت الحاشية قد وجدت فرصتها في ظل حكم ملك طفل غرير ، وفي كل الأحوال كان الشعب ـ ولله دره من شعب ـ ضائعاً بين رحى هذه التروس الفاسدة المتهالكة والمتكالبة على السلطة والحكم والسعي المميت إلى المال .

   وفي عصر الملك فاروق كان حيدر باشا وزير الحربية والقائد العام رجلاً مشكوكاً في نزاهته ، وقد انتهج طريقة الانجليز وكأنه رجل منهم ، وكان غير متعاطف مع المصريين في الجيش المصري ، وكان مثله في عصر الخديوي توفيق مثل عثمان باشا رفقي وزير الحربية ، الذي حرم بعض الضباط المصريين من الترقي بينما منح هذا الحق لكل الشراكسة في الجيش المصري ، فكان ذلك سبباً في قيام ثورة عرابي ومن معه ، كذلك قام الحرس القديم بقيادة حيدر باشا بإبعاد عدد كبير من قادة الجيش المصري الذين أثبتوا جدارتهم وقوتهم وقدرتهم على القيادة في معارك فلسطين ، وهؤلاء سيبزغ نجمهم وقد يكونوا من المقربين من الملك ، ولكن حيدر باشا لن يسمح لمثل عبد الناصر وغيره أن يكونوا من حاشية الملك ، ففكروا في إبعادهم عن المراكز الحساسة في الجيش إلى أماكن وحاميات عسكرية نائية عن القاهرة ، فكانت هذه الحيلة الماكرة سبباً في ولادة بذرة الجمعيات السرية في الجيش وبزوغ نجم فكرة الضباط الأحرار .

   أين فاروق من كل هذا الفساد ؟ أين مخابرات القصر الملكي لكي يقف الملك على هذه الأخبار الهامة ؟ كان فاروق مغيباً تماماً ، فقد وضعوا في طريقه من يلهوا له ويلهو به ويقدم له المغريات بجميع صنوفها ، ويصرفونه عن سياسة البلاد ومعرفة أخبار العباد . لقد كان فاروق قليل الخبرة وإن كان تربى في بيت ملك وسياسة وحكم ورياسة ، ولكنه كان محاطاً بسلسلة من الرجال الماكرين ، الذين يجيدون سياسة ترويض الملوك واللعب بهم مثل الشطرنج ، فلم يعش فاروق مع أبيه طويلاً لكي يأخذ منه خبرته ويتعلم منه طرق السياسة ، وفن الإدارة ، وهذا الشيء ما زالت تعانى منه مصر منذ عصر مبارك نفسه ، فقد كان مبارك مصراً على أن يأتي بكل عديم خبره ويجعله وزيراً ، وكل جاهل ويجلسه على كراسي العلم ، وكل متطفل ويجعله محافظاً ، فقد كان رجلاً عنيداً لا يحب أحداً أن يكون متميزاً في عصره إلا وجعله نكالا أو وراء الظلال ، لذلك أصيبت مصر في عهده بالتخلف والرجعية التي يكل عنها الوصف ، وركز على البناء للمنشآت وترك الإنسان المصري ليكون حطاما وأكبر مثال على الرجعية والفقر والمرض .

    

   لم أكن هنا لأدافع عن الملك فاروق ، ولا لأقدم له الأعذار ، ولا أدعو أحداً من المؤرخين أن يتغافل عن سيئاته ، ولكنى أرسل بهذه المقالة إلى كل رئيس أو ملك أو حاكم إن أراد يتعظ من خلال تاريخ من سبقوه ، والأحداث التاريخية تتشابه ولا يعيد التاريخ نفسه !! فالشعب المصري عاش طويلاً في ظلم حكم جائر ، وحكومات ظالمة ، وقيادات جاهلة ، وقوانين غير عادلة ، وقضاة فيهم من الغباء والجور ما الله به عليم !!  


إرسل لصديق

تصويت

هل تؤيد ترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية؟

هل تؤيد ترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر