اخر الأخبار
أحمد المرشد

أحمد المرشد

الفنون ليست "جنون".. ولكنها حضارة ورقي

السبت 08/ديسمبر/2018 - 02:05 ص
طباعة

يقول الإمام الغزالى:" من لم يحركه الربيع بوروده وأزهاره وريحانه.. والعود بأوتاره وألحانه فإنه فاسد المزاج ليس له علاج". فهاهو الإمام الجليل يحث فينا الإحساس بالربيع والعود، فمن لا يتذوق معاني الربيع فهو لا يستحق أن يكون إنسيا، ومن لم يستشعر ما تخلقه أوتار العود من أنغام جميلة علي مسامعنا فهو أيضا لا يستحق أن يكون إنسيا. فالجمال إحساس نحن نخلقه بدواخلنا، وهذا الإحساس يولد معنا وينمو حتي الكبر، فمن شب علي تذوقه الجمال عاش إنسانا سعيدا بل وسويا، لأن الجمال جزء مهم جدا من السعادة، وبالتالي من تربي علي فساد الذوق أو تذوق الفن والجمال، فهو مجرد إنسان ولن يشعر بالسعادة مطلقا، بل شعوره الدائم بالتعاسة والشقاء سيتغلب عليه ويجعله حزينا طوال عمره.

ليس هذا فقط، فالتعيس أو الإنسان الذي يعيش طوال عمره في شقاء لن ينجح في حياته الدراسية والمهنية، وحتي لا أبالغ فهو لن ينجح في أغلب الأحيان في حياته الزوجية، لأنه في  حالته هذه سيكون إحساسه بكل شئ ناقصا ومترديا، وسيكون إنسانا عصبيا يخرج عن شعوره لأتفه الأسباب. ولكن، وربما كلمة "لكن" هنا مفيدة بعكس بقية مواضعها حيث تأتي في أخر الجملة التي تبدأ بشئ حسن، وإنما موقعها هنا حسن فعلا لأن الإنسان الذي يتذوق الفن والموسيقي والجمال والخضرة ويسعي لنمائها فهو سيحقق كافة أحلامه.

لا أقول هذا ردا علي تدهور  الذوق العام أو سلوك البشر ليصبح ظاهرة مؤسفة، وإنما للحديث عن أهمية تنمية التذوق العام للفنون داخل نفوسنا وأطفالنا، حتي تكون لا يكون تردي الذوق العام ظاهرة نئن منها، فالويل كل الويل لمجتمع فسد ذوقه وأصبح سمته الاجتماعية، ولنا في الشعوب الأوروبية لنموذج رائع في تذوق الفنون والموسيقي وحب القراءة، فهناك سلوكيات سوية إلا ما ندر وشذ عن القاعدة، فالأغلبية الساحقة تجدها نظيفة، مرتبة، صافية الذهن، لا يبخلون الفنان حقه، وتجد استهلاكهم للزهور مرتفع للغاية، فشراء الورد مسلك طبيعي هناك وليس استثناء يرتبط بمناسبة أو عيد ميلاد أو زيارة مريض.

وعلي سبيل المثال، توجد موسيقي شرقية وموسيقي غربية وموسيقية إفريقية وجاز وأنوع أخري كثيرة، حتي داخل كل فئة من الفئات المذكورة توجد موسيقي فرعية، فلد ينا مثلا موسيقي خاصة بأهل البحرين يشتهرون بها، وكذلك بقية دول الخليج ومصر والشام والمغرب العربي. وهكذا تتعدد وتتنوع الموسيقي الغربية والأمريكية، فأمريكا الشمالية لديها الجاز والكانتري وخلافه، في حين تشتهر موسيقي أمريكا اللاتينية بنغمات مختلفة ومنها علي سبيل المثال موسيقي التانجو التي اشتهرت برقصتها. وكما تحدثنا عن الموسيقي هناك فثمة أنواع مختلفة من الأغاني، فمنها الشعبية والقديمة والحديثة، والمجتمع الأكثر رقيا وتحضرا لا يتخلي عن موسيقاه وتراثه الغنائي والفني بل يطوره كما تطورت الألة الموسيقية ذاتها. ولهذا، ترتقى أذواق الشعوب أو تذوقها الفني من خلال الفنون التى تعايشها والتى تعبر عنها وهى تؤثر فيها وتقودها في نفس الوقت، لأننا نعلم الشعوب والمجتمعات بفنونها  المختلفة من موسيقي وسينما وإذاعة وتليفزيون وأدب سواء مسرح أو كتب وخلافه، فالغريب علي أي مجتمع بإمكانه تمييز هذا المجتمع الجديد عليه بما يجد عليه سكانه، هل يتذوقون الفنون المختلفة؟، هل يقرأون؟ ما الذي يميز عالمهم  الأدبي؟.

ولهذا نقول أن التذوق الفنى هو إحساسنا بالجمال والمتعة والراحة النفسية ونبذ الهموم والقدرة علي مقاومة الأمراض البدنية والنفسية، وينعكس هذا الإحساس علي كافة سلوكياتنا وتصرفاتنا لتكون جميلة ومؤثرة في الغير وكل من حولنا، فهو بالتأكيد سيتأثر بها ولا يتخلي عن أن تكون تلك هي سلوكياته. وهذا الإحساس بالجمال يضاعف سعادتنا، وياحبذا لو كان الإحساس متولد فينا منذ نعومة إظافرنا، ولهذا ندعو الأجيال الجديدة الاهتمام بأطفالها وغرس الشعور بالجمال فيها حتي تنمو وهي تشعر بالسعادة.

ولعلنا نتفق الآن في أن الفنون تشعرنا بالسعادة، وممارسة الفنون ذاتها منذ الصغر تساهم في تنمية مواهب الطفل لتوسع خياله وكل ما يكتسبه من مهارات و خبرات، فالفنون تلعب دورا كبيرا في صقل معارف الإنسان وتهذيب الذوق العام، لأن الجمال هو منبع الفنون وإذا أقبلنا علي الجمال وتعايشنا معه كان النتيجة الفعلية لهذا هو سمو الروح. وكذلك يذكي الفن شعورنا بالجمال ويكسبنا القدرة علي تحسس مواطنه في العوالم المحيطة بنا فنتذوقها جديا. ويكسبنا هذا الشعور أيضا ميزة مهمة وهي القدرة علي التمييز بين الجمال والقبح، النافع والضار، فنختار الأصلح لنا ولمجتمعاتنا لنرسخ القيم النبيلة والمبادئ السامية التي يرتقي الإنسان بها ليسمو عن كل ما هو دنئ ودنس وطالح وفاسد، ولنتذكر ما بدأنا به من مقولة الإمام الغزالي.

ولعلنا ندرك أيضا أن الفنون بكافة أنواعها – أدب وموسيقي وغناء ومسرح وسينما وثقافة عامة- تلعب دورا كبيرا في تحقيق التوازن النفسي للإنسان وأن تذوقها يزيح عنه الأعباء اليومية للحياة، وعلي ضفاف تلك الفنون تتحطم أمواج عبء الغضب فتلين النفس و تسترد هدوءها  وسكينتها، فهذه نتيجة مؤكدة لكل من يمارس ويستمتع بالفنون. ليس هذا فقط، فالإحساس بالفنون ومواطن الجمال يجعل الفرد إنسانا منتجا في مجتمعه المحيط به ويجعله أكثر حفاظا علي مكتساب هذا المجتمع من بيئة وخضرة ونظافة. ولم لا؟..فالارتقاء بالذوق العام والسلوكيات المرعية أمر يبعث علي تنمية الحس الجمالي للبشر، لأن رسالة الفنون نبيلة وتدعو للتآلف والتآخي وحب الخير والعمل به، فالفنون عابرة للأوطان والجنسيات.

وإذا كانت الفنون الراقية تبعث علي الإحساس بالجمال والسعادة، فالفنون الهابطة تشعرنا بالغثيان واليأس، ولا أريد التركيز هنا علي كل تلك الأنواع من الأغاني الهابطة التي هبطت علي بعض المجتمعات العربية، فهي تحط من رقي الإنسان وتنحدر به الي أدني المراتب وتمثل تعديا سافرا علي رسالة الفن  النبيلة.. وهنا اختلف مع من قال "الفنون جنون" ولكن الصواب إنها حضارة ورقي.

 
احمد المرشد
كاتب ومحلل سياسي بحريني
amurshed2030@gmail.com



إرسل لصديق

ads

تصويت

هل تنجح التربية والتعليم في تخطي ماراثون الثانوية العامة دون أزمات؟

هل تنجح التربية والتعليم في تخطي ماراثون الثانوية العامة دون أزمات؟

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر