طباعة
sada-elarab.com/822116
لم يكن المشهد في كلية الضباط الاحتياط مجرد احتفال بتخرج دفعة جديدة من شباب مصر، بل كان مشهدًا تختصر فيه سنوات طويلة من عقيدة الجندية المصرية؛ علمٌ يسبق السلاح، وانضباط يسبق القوة، وراية تنتقل من جيل إلى جيل، محمولة بأمانة لا تعرف التهاون.
دفعة جديدة من أبناء مصر، هي الدفعة 170 ضباط احتياط، تحمل اسم المقدم الشهيد عيد حامد إبراهيم، أحد أبطال القوات المسلحة الذين شاركوا في معارك استعادة الكرامة، وخاضوا حرب أكتوبر المجيدة، قبل أن تفيض روحه إلى بارئها في 22 أكتوبر 1973. ومن هنا اكتسب الاحتفال معنى يتجاوز مراسم التخرج، فالشباب الذين يقفون اليوم في ساحة العرض يحملون اسم رجل سبقهم إلى ميادين الشرف، ليظل شاهدًا على أن الوطن تبنيه أجيال، وتحميه أجيال، وتحمل رايته أجيال.
وخلال أقل من ستة أشهر، خاض الخريجون رحلة مكثفة من الإعداد العسكري والبدني والقتالي والعلمي. لم تكن اللياقة مجرد تدريبات جسدية، ولا الرماية مجرد استخدام للسلاح، وإنما منظومة متكاملة تهدف إلى بناء مقاتل قادر على التحمل، وسريع الاستجابة، دقيق الأداء، وقادر على العمل ضمن منظومة القوات المسلحة.
وكان وراء هذه الرحلة التدريبية رجال من أبناء القوات المسلحة، من المعلمين وهيئة التدريس والتدريب، الذين تولوا مسؤولية تحويل الطالب المدني الحاصل على مؤهل علمي إلى مقاتل منضبط قادر على تحمل المسؤولية. فالمعلم في كلية الضباط الاحتياط لا ينقل مهارة عسكرية فحسب، وإنما يغرس في الطالب قيم الانضباط والالتزام والعمل الجماعي، ويضع أمامه نموذجًا عمليًا للسلوك العسكري الذي سيحمله معه بعد التخرج. ويأتي دور كبير المعلمين في متابعة المنظومة التعليمية والتدريبية، وصولًا إلى إعلان نتيجة التخرج في لحظة فارقة ينتقل فيها الطالب من مقاعد الدراسة إلى صفوف القوات المسلحة.
وتحتل كلية الضباط الاحتياط مكانة مهمة في منظومة إعداد رجال القوات المسلحة؛ فقد بدأت مسيرتها كمدرسة للاحتياط عام 1957 في منطقة فايد، ثم أعيدت تسميتها كلية الضباط الاحتياط عام 1960، واستقرت في موقعها الحالي بفايد منذ عام 1977. وتتمثل رسالتها في إعداد الحاصلين على المؤهلات العليا عسكريًا، وتأهيلهم لقيادة الوحدات الصغرى في الحرب والسلم، مع الجمع بين العلوم العسكرية والثقافة العامة واللياقة البدنية والمهارات المختلفة. وتبلغ مدة الدراسة بالكلية ستة أشهر، وفق منظومة تجمع بين التعليم العسكري النظري والعملي والتأهيل البدني والثقافي.
وهذه المهمة تفسر لماذا لا تكتفي الكلية بتخريج ضباط يمتلكون القدرة على تنفيذ المهام العسكرية، وإنما تعمل أيضًا على بناء شخصية متكاملة تجمع بين العلم والانضباط والوعي. فالضابط الاحتياط يأتي إلى الكلية بخبرته العلمية المدنية، ثم يحصل على التأهيل العسكري الذي يمكنه من توظيف ما يمتلكه من معرفة وخبرات في خدمة القوات المسلحة. وقد أكدت القوات المسلحة في مناسبات سابقة أن الضباط الاحتياط يمثلون أحد الركائز الفاعلة في منظومة الكفاءة القتالية، بما يمتلكونه من خبرات مدنية وعسكرية.
وفي ساحة العرض ظهرت نتائج تلك الرحلة بوضوح؛ تشكيلات رياضية وقتالية، مهارات في استخدام السلاح، تدريبات على الاشتباك والمناورة، وعروض تؤكد أن الانضباط ليس حركة عسكرية فقط، وإنما سلوك ومنهج عمل.
لكن اللافت في تجربة الدفعة أن بناء المقاتل لم يتوقف عند حدود القوة البدنية. فقد امتد إلى العلم والبحث والابتكار، حيث قدم الخريجون نماذج في مواجهة الطائرات المسيرة، والاستطلاع والمراقبة، والمحاكاة القتالية، واستخدام الواقع المعزز في التدريب، إلى جانب ابتكارات في المجال الطبي وخدمة المرضى وذوي الهمم.
وهنا تظهر صورة المقاتل المصري في العصر الحديث: ليس رجلًا يحمل السلاح فقط، وإنما إنسان يمتلك العلم والوعي والقدرة على التعامل مع تكنولوجيا تتغير كل يوم. فحروب اليوم لا تُحسم بالقوة وحدها، وإنما يدخل العقل والمعلومة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في صميم معادلة القوة.
ولذلك جاءت كلمات قيادة كلية الضباط الاحتياط والقائد العام للقوات المسلحة لتؤكد أن إعداد الضابط يبدأ من بناء الإنسان نفسه؛ بالعلم والانضباط وحسن الخلق والوعي بما يدور حول الوطن والمنطقة، والقدرة على تحمل المسؤولية والوفاء بالقسم.
وفي قلب الاحتفال، حضرت سيرة الشهداء. فالجيش الذي يخرّج اليوم مقاتلين جددًا لا ينسى رجالًا سبقوهم، ودفعوا أرواحهم ثمنًا لأمن الوطن. وكان إطلاق اسم الشهيد عيد حامد إبراهيم على الدفعة رسالة بأن تضحيات هؤلاء الأبطال لا تنتهي برحيلهم، وإنما تتحول إلى ذاكرة حية تتوارثها الأجيال.
ثم جاء القسم، فارتفعت الأصوات في ساحة العرض، ليبدأ فصل جديد من حياة هؤلاء الشباب. لم يعد الأمر مجرد تخرج من كلية، وإنما انتقال إلى ميدان المسؤولية، حيث يصبح الالتزام والانضباط وحسن التصرف جزءًا من واجب يومي.
ومع تقدم علم القوات المسلحة وأعلام كلية الضباط الاحتياط والكتائب والسرايا، بدا المشهد وكأنه تسليم رمزي للراية. جيل يرحل من ميادين التدريب، وجيل جديد يتقدم لحمل المسؤولية.
الدفعة 170 ليست مجرد رقم في سجلات كلية الضباط الاحتياط؛ إنها جيل جديد من أبناء مصر، يحملون في صدورهم عهدًا، وفي أيديهم مسؤولية، وخلفهم تاريخًا من التضحيات.
هكذا تنتهي رحلة الطالب، وتبدأ رحلة المقاتل.. ويظل الوطن هو الغاية، وتظل الراية هي العهد، وتظل مصر كبيرة بأبنائها الذين يعرفون أن الدفاع عنها ليس وظيفة، وإنما شرف ومسؤولية وانتماء.
بقلم – ياسر هاشم









