عربي وعالمي
قطار اليابان الخارق.. عندما تصبح السرعة فلسفة وطن
الثلاثاء 27/يناير/2026 - 03:09 ص
طباعة
sada-elarab.com/795033
في سباقٍ لا يعرف التباطؤ، تكتب اليابان فصلًا جديدًا في تاريخ النقل العالمي، فصلٌ عنوانه الجرأة، وسطره الأول سرعة تتجاوز حدود الخيال. فبينما لا تزال معظم دول العالم تحلم بتقليص زمن الرحلات، تمضي طوكيو بثبات نحو إطلاق أسرع قطار في تاريخ البشرية، قطار L0 Series المغناطيسي، الذي لا يلامس الأرض إلا ليعلن تحديه لقوانين السرعة والزمن.
هذا القطار المستقبلي، الذي تطوره وتختبره شركة JR Central، ليس مجرد وسيلة نقل، بل مشروع وطني يعكس إيمان اليابان بأن التكنولوجيا قادرة على إعادة تعريف الجغرافيا. بسرعة قياسية تصل إلى 603.5 كيلومتر في الساعة، يتربع قطار سلسلة L0 على عرش القطارات الأسرع في العالم، متجاوزًا قطار شانغهاي ماجليف الصيني الذي تبلغ سرعته التشغيلية 460.2 كيلومتر في الساعة، وبفارق شاسع عن أسرع القطارات الأوروبية مثل TGV الفرنسي وAGV Italo الإيطالي، التي تتراوح سرعاتها بين 306 و354 كيلومترًا في الساعة.
من الساعات إلى الدقائق
الفارق الحقيقي لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بالوقت الذي سيوفره هذا القطار في حياة الملايين. الرحلة بين طوكيو وناغويا، التي تستغرق حاليًا ما بين ساعة و26 دقيقة وقد تمتد إلى أكثر من ساعتين ونصف، ستُختزل إلى 40 دقيقة فقط عبر خط تشو شينكانسن الجديد. أما حلم الربط بين طوكيو وناغويا وأوساكا، فسيحوّل هذه المدن العملاقة إلى نطاق حضري واحد نابض بالحركة.
ولفهم حجم هذا التحول، يكفي تخيل سيناريو مماثل في أوروبا، حيث يمكن لقطار بهذه التقنية أن يقلص الرحلة بين لندن وإدنبرة إلى ساعة واحدة فقط، بدل أربع إلى خمس ساعات كما هو الحال حاليًا.
سر التفوق… الرفع المغناطيسي
ما الذي يجعل سلسلة L0 بهذه السرعة المذهلة؟ الجواب يكمن في تقنية الماجليف أو الرفع المغناطيسي. فالقطار لا يسير فوق القضبان التقليدية، بل يطفو فوق المسار باستخدام قوى مغناطيسية، ما يلغي الاحتكاك تقريبًا. ومع الدفع بواسطة محركات كهربائية متقدمة، ينزلق القطار في الهواء بسلاسة، محققًا سرعات لم تكن ممكنة في أنظمة السكك الحديدية التقليدية.
وبمجرد دخوله الخدمة التجارية الكاملة، سيتمكن قطار L0 من قطع المسافة بين طوكيو وأوساكا في ساعة واحدة فقط، مقارنة بزمن يتراوح حاليًا بين ساعتين و20 دقيقة وأربع ساعات.
استثمار بالمليارات وتأجيلات حتمية
غير أن هذا المستقبل السريع لم يأتِ بلا ثمن. فتكلفة المشروع بلغت حتى الآن نحو 52 مليار جنيه إسترليني، ما يجعله أحد أضخم مشاريع البنية التحتية في تاريخ اليابان. ورغم أن الافتتاح كان مقررًا في الأصل عام 2027، فإن التحديات التقنية والبيئية تسببت في تأجيله لنحو ثماني سنوات، ليصبح الموعد الأكثر واقعية للتشغيل بين عامي 2034 و2035.
ورغم التأخير، لا يبدو أن اليابان تفكر في التراجع. فمشروع قطار L0 ليس مجرد قطار أسرع، بل رؤية لمستقبل تتحول فيه المسافات إلى تفاصيل صغيرة، ويصبح الزمن نفسه مادة قابلة لإعادة الهندسة. هنا، لا تسابق اليابان الدول الأخرى فحسب، بل تسابق المستقبل.











